العلاقات في ظل الرقمنة: بين الحب السائل والبحث عن العمق

في عهدٍ كانت فيه الروابط الإنسانية تُبنى على الصبر والالتزام، وتزداد قوتها بمرور الأيام وتراكم التجارب المشتركة، يشهد الآن تحولاً جذرياً{.} فمع تفجّر وسائل التواصل الرقمي، صارت الصداقات والعلاقات العاطفية تتخذ طابع السلع القابلة للاستبدال بلمسة زر.
1D8A9B58A7DF5DCC8C7C0C0B5C4F9D3FAA2F2E1C8A8F8F7F5A6C2E3F1B4D6E7C9F0B3F5E2A1B4C8D9F6E7A3B2C1D4E5F6A7B8C9D0E1F2A3B4C5D6E7F8A9B0C1D2E3F4A5B6C7D8E9F0A1B2C3D4E5F6A7B8C9D0E1F2A3B4C5D6E7F8
أرقام تكشف هشاشة العلاقات
تشير إحصاءات صادرة عن مرصد وعي للمؤشرات الاجتماعية إلى أن نحو 68 % من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً يعانون من ما يُسمّى «الهشاشة الاجتماعية»، أي القلق بشأن جودة الروابط التي يكوّنها.
وفي الوقت نفسه، تُظهر بيانات الهيئة العامة للإحصاء المستخلصة من أحدث مسوح «جودة الحياة» أن 42 % من المستجيبين يفتقرون إلى صديق مقرب يمكن الاعتماد عليه في أوقات الأزمة، رغم امتلاكهم مئات أو حتى آلاف المتابعين على منصات مثل سناب شات وتيك توك.
من الفلسفة إلى الواقع: مفهوم “الحب السائل”
تُعيدنا هذه الأرقام إلى فكر الفيلسوف وعالم الاجتماع زيجمونت باومان، الذي صاغ مصطلح «الحب السائل» في مؤلفه المماثل. يرى باومان أن العلاقات الحديثة تفتقر إلى الثبات، وتتشكل وتنهار بسرعة لأن الأفراد يتهيبون الالتزام الطويل، مفضّلين الروابط الخفيفة التي لا تستدعي مسؤوليات أخلاقية أو عاطفية.
وبدلاً من بناء جسور ثابتة، يفضِّل الكثيرون المتعة الفورية والسرعة في الانتقال إلى بدائل أخرى عندما تظهر أول عقبة أو خلاف.
العمق والالتزام كبديل فلسفي
يطرح الفيلسوف سورين كيركغور بديلاً لهذا النمط السائل، حيث يؤكد أن الصداقات والعلاقات الحقيقية تستلزم خيارًا واعيًا ومسؤولية وتضحية، لا تُقاس بعدد الإعجابات أو المتابعات، بل بمدى الدعم النفسي والآمان الذي يقدمه الطرف الآخر على أرض الواقع.
وفق كيركغور، فإن جمال الصداقة أو الحب لا يبرز في البداية السهلة، بل في القدرة على تجاوز الأخطاء وبناء ثقة متينة تستمر عبر الزمن.
دعوة لإعادة تقييم العلاقات
إن الشباب والمجتمع اليوم، في ظل وتيرة التحولات الحضارية المتسارعة، بحاجة إلى إحياء مفهوم «العلاقات الصلبة». لا يُقاس هذا النوع من الروابط بعدد الإعجابات أو المتابعات، بل بكمية الدعم والطمأنينة التي تُمنح في الواقع الملموس.
فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه؛ ولا يمكن للبدائل الافتراضية، مهما أبهرت بمظهرها اللامع، أن تعوّض الفجوات الروحية التي يتركها الانفصال الرقمي المتكرر.



