الرئيسيةفنالفلاسفة والMatrix: تقاطعات التراث العربي مع...
فن

الفلاسفة والMatrix: تقاطعات التراث العربي مع أسطورة الأراكنة

العودة إلى التراث العربي الإسلامي

قبل الخوض في تفاصيل الفيلم، أحب أن أعود إلى أحد المصادر المهمة في التراث العربي الإسلامي، وهو كتاب (الملل والنحل) للمؤلف الشهرستاني. يركز الجزء المتعلق بالمناظرة العقدية بين الحنفاء والصابئة على مفهوم الروحانيات والجسمانيات.

مناظرة الصابئة والحنفاء حول العالمين

يرى الصابئة أن الروحانيات نورانية علوية لطيفة، بينما الجسمانيات ظلمانية سفلية كثيفة. وبالتالي يعتقدون بوجود عالمين منفصلين: عالم معنوي نوراني يمثل الفضيلة والعلو، وعالم محسوس يضم الجسمانيات والأرواح المظلمة.

من جهة أخرى يرفض الحنفاء فكرة أن كل الروحانيات نورانية، ويوجهون انتقاداً للصابئة يقولون إنهم حكموا على الروحانيات بالتساوي دون اعتبار للترتيب والتضاد، موضحين أن من عرف الروحاني بأنه غير جسماني أدخل بذلك كائنات شيطانية وعوالم خبيثة ضمن فئة الروحانيات.

الصلة بفلسفة ديكارت وفيلم The Matrix

تشبه هذه المناظرة أفكار الفلاسفة الأوروبيين الذين يفصلون sharply بين العالم المعقول والمحسوس، خاصة رينيه ديكارت الذي يشك في حواسه ويؤكد وجود شيطان ماكر يخدعها، مما يوصله إلى الشك في وجوده المادي ويعتبره يعيش في حلم.

يشير النص إلى أن الأراكنة، التي ذكرت في المناظرة، تُعتبر في الديانة الغنوصية حراساً للعالم السفلي الظلامي، أي حراس السجن المادي، وهي كائنات شيطانية خبيثة.

دور الأراكنة كعملاء في الفيلم والرمزية الغنوصية

في الأدبيات الغنوصية مهمة الأراكنة هي حراسة العالم المادي وحبس الروح البشرية (القبس الإلهي) داخل المادة، منعها من الاستيقاظ أو الصعود نحو العالم النوراني العلوي. وفي فيلم The Matrix تظهر هذه الفكرة من خلال العملاء (Agents) الذين يرتدون بدلات سوداء رسمية متطابقة، ونظارات سوداء تخفي أعينهم، ويتحدثون بنبرة آلية جافة بلا مشاعر بشرية.

يصف الفيلم أن الذكاء الاصطناعي والآلات صمموا المصفوفة (Matrix) محاكاة لعالم افتراضي يبقي الوعي البشري في حالة نوم مغناطيسي دائم، بينما يبقى الجسد داخل أنبوبة زجاجية. دور العملاء هو إدارة السجن الرقمي وقمع أي محاولة للفرار منه، بينما يعيش البشر داخل تصور زائف للواقع دون إدراكهم لذلك.

هذا يتقاطع مع السؤال الفلسفي القديم حول ما إذا كانت الحواس تنقل الحقيقة أم تصنع تصورا زائفا عنها، ويظهر تأثير الأساطير اليونانية القديمة في المخيال الأوروبي الحديث من خلال الصراع بين النور والظلمة، والروحانية والسجن المادي المحسوس، حيث يصبح العملاء سدنة العالم التقني الحديث والمحاكاة الرقمية هي الغشاوة الجديدة على العقول.