الرئيسية›اقتصاد›كيف يتحول الأمن السيبراني في السعودية...
اقتصاد

كيف يتحول الأمن السيبراني في السعودية إلى محرك اقتصادي واعد

لم تعد الهجمات السيبرانية مجرد خطر تقني يستهدف الأجهزة والشبكات، بل باتت تمثل تهديداً اقتصادياً قد يوقف المصانع، ويوقف الخدمات المالية، ويخل بسلاسل الإمداد، ويهتز ثقة المستثمرين ويستمرارية الأعمال. وفي المقابل، لم يعد الإنفاق على الحماية الرقمية مجرد تكلفة لأنظمة ومعلومات، بل تحول إلى نشاط اقتصادي متنامٍ يفتح مجالات للاستثمار والابتكار وتوفير الوظائف.

السوق الوطنية للأمن السيبراني وحجمها المتزايد

أظهر تقرير الهيئة الوطنية للأمن السيبراني الصادر في 14 أكتوبر 2026 أن حجم سوق الأمن السيبراني في المملكة بلغ نحو 16.3 مليار ريال خلال عام 2025، مع معدل نمو سنوي مركب قدره 10.7% للفترة من 2023 إلى 2025. واستحوذ القطاع الخاص على النسبة الأكبر من هذا الإنفاق بواقع 69% أي حوالي 11.2 مليار ريال، بينما مثل القطاع الحكومي 31% بقيمة 5.1 مليار ريال.

وأوضح ذات التقرير أن المساهمة المباشرة والغير مباشرة للقطاع في الناتج المحلي الإجمالي وصلت إلى نحو 20 مليار ريال في 2025، حيث بلغت المساهمة المباشرة 9.7 مليار ريال والغير مباشرة 10.3 مليار ريال، بمعدل نمو سنوي مركب 13.2%. وبالتالي شكلت هذه المساهمة ما يقارب 0.42% من إجمالي الناتج المحلي و0.71% من الناتج المحلي للأنشطة غير النفطية. ويشير التقرير إلى أن حجم السوق، الذي يعكس الإنفاق على المنتجات والخدمات، يختلف عن مقياس القيمة المضافة المستخدم لحساب المساهمة في الناتج المحلي، لذا لا يجوز جمع الرقمين أو معاملتهما كإيرادات متطابقة.

من الحماية إلى صناعة منتجات محلية منافسة

وفقاً للتوزيع الذي كشف عنه التقرير، شكلت المنتجات 51% من الإنفاق في سوق الأمن السيبراني، بينما مثلت الخدمات 49%. وهذا يطرح تساؤلاً عن مدى توفر منتجات محلية مطورة ومملوكة لشركات سعودية قادرة على التحديث والتسويق داخل المملكة وخارجها. ويظل الفارق كبيرًا بين جهة تبيع تراخيص تقنية مستوردة وأخرى تطور حلولاً سيبرانية خاصة بها وتمتلك حقوق الملكية الفكرية لها.

ويشير التقرير إلى أن الشراكات الدولية تبقى مهمة لنقل المعرفة وبناء القدرات، وتصبح ذات قيمة أكبر عندما تسهم في إنتاج منتجات وطنية وتأمين حقوق فكرية وفرص تصديرية. وفي هذا السياق تُبرز دور الشركة السعودية لتقنية المعلومات «سايت» وغيرها من المنشآت الناشئة في دعم بناء صناعة سيبرانية محلية وتعزيز المحتوى الوطني.

كما أعلنت وزارة التجارة في سبتمبر 2026 بلوغ عدد السجلات التجارية لنشاط الأمن السيبراني 11,275 سجلاً، بزيادة نسبتها 22% مقارنة بالفترة السابقة. ومع أن السجل التجاري لا يضمن وجود شركة منتجة للتقنية، فإن التحدي يكمن في تحويل هذا الاتساع التجاري إلى منشآت فاعلة تطور حلولاً ذات قيمة مضافة وتستطيع الاستمرار والتوسع خارج الحدود.

الكفاءات البشرية والاستثمار الجريء كركائز للنمو

بلغ عدد المتخصصين في الأمن السيبراني بالسعودية أكثر من 22 ألفاً خلال عام 2025، وشكلت المرأة 33% من هذا العدد، وهو نسبة تتجاوز المتوسط العالمي الذي يقارب 22%. ويؤكد التقرير أن تطوير الصناعة يتطلب نقل التأهيل من مجرد تشغيل الأنظمة وإدارة المخاطر إلى مجالات مثل هندسة المنتجات السيبرانية، وأمن الذكاء الاصطناعي، والتشفير، والبحث والتطوير.

ولتحقيق ذلك تقترح الهيئة تعزيز التعاون بين الجامعات ومراكز الأبحاث والشركات التقنية بحيث تتحول المعرفة العلمية والمشاريع البحثية إلى منتجات قابلة للتسويق وشركات ناشئة قادرة على النمو. كما تلعب مبادرات مثل «مسرعة الأمن السيبراني» التابعة للهيئة دوراً محورياً؛ فقد أظهرت النتائج المعلنة للنسختين الأولى والثانية استثمارات تجاوزت 27 مليون ريال في الشركات الناشئة، وأكثر من 90 شراكة محلية ودولية، وتوسعاً إقليمياً وعالمياً في 12 دولة.

ومع أن هذه النتائج مشجعة، فإن استدامة الأثر تعتمد على قدرة الشركات على مواصلة النمو بعد انتهاء برامج التسريع، وتحقيق إيرادات وجذب عملاء جدد. لذلك يجب أن يمتد دور رأس المال الجريء من تمويل التأسيس إلى دعم مراحل النمو المستمر، لا سيما أن صناعة المنتجات السيبرانية تستلزم استثمارات مستمرة في البحث والتطوير والاختبار والامتثال والتحديث.

ولتعزيز القدرة على المنافسة العالمية، حدد التقرير أولويات تشمل رفع حصة المنتجات الوطنية، وتوسيع الاستثمار في البحث والتطوير، وتشجيع امتلاك حقوق الملكية الفكرية، وربط المشتريات المؤسسية بالحلول المحلية المؤهلة القادرة على المنافسة، وفتح مسارات عملية إلى الأسواق الدولية. كما شدد على الحاجة إلى مؤشرات اقتصادية أكثر تفصيلاً تقيس إيرادات المنتجات المطورة محلياً، وقيمة الصادرات السيبرانية، وعدد الشركات المالكة لتقنياتها، وحجم الاستثمار في البحث والتطوير، وحصة المنتجات الوطنية من إجمالي الإنفاق على الأمن السيبراني.

وأخيراً يخلص التقرير إلى أن الأمن الذي يحمي ثروات الاقتصاد الرقمي اليوم يمكن أن يصبح غداً أحد مصادر تلك الثروات إذا ما تم الاستثمار في تحويل المقومات المتاحة – السوق المتنامية، المنظومة المتقدمة للجاهزية السيبرانية، والدعم القيادي – إلى شركات منتجة ذات حضور عالمي يضيف بعداً صناعياً واستثمارياً مستداماً للقطاع.