الرئيسيةكتاب و آراءمؤشرات دقيقة لكنها مضللة: لماذا لا...
كتاب و آراء

مؤشرات دقيقة لكنها مضللة: لماذا لا تعكس الأرقام الواقع العقاري؟

لكن الأرقام، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع رؤية كل شيء.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية في استخدام المؤشرات: عندما ننتقل من اعتبارها أداة لفهم الواقع إلى التعامل معها كأنها الواقع نفسه.

المؤشرات أداة لا بديل عن الواقع

خذ سوق الإيجارات مثالاً. يمكن جمع بيانات مئات العقود المسجلة في حي معين، ثم حساب متوسط الإيجار للشقة، وسعر المتر المربع، ونسبة التغير السنوي، لنصل إلى نتيجة تبدو دقيقة للغاية. لكن عندما تنزل إلى السوق وتبحث فعلياً عن شقة بالمواصفات التي تريدها، قد تكتشف أن الأسعار الفعلية تختلف بشكل واضح عن الرقم الذي أمامك.

هل يعني ذلك أن المؤشر خاطئ؟ ليس بالضرورة. قد تكون المشكلة في السؤال الذي وجهته إلى المؤشر.

عقد الإيجار يخبرنا بقيمة الصفقة، ومساحة الوحدة، وموقعها، وربما عمر العقار وعدد الغرف وبعض الخصائص. لكنه لا يخبرنا إن كانت الشقة تطل على شارع هادئ أم على طريق مزدحم، ولا عن جودة التشطيب، واتساع النوافذ، وكمية الضوء الطبيعي، وجودة العزل، ومستوى الصيانة، وكفاءة إدارة المبنى، وسهولة المواقف، ورائحة الممرات، ونظافة المصعد، وجودة الجيران، أو ذلك الشعور الذي يتكون لدى المستأجر بعد دقائق من دخوله الشقة ويجعله مستعداً لدفع آلاف الريالات الإضافية سنوياً.

هذه التفاصيل ليست هامشية، بل أحياناً تكون هي جوهر السوق نفسه.

سوق العقار: حين تخفي الأرقام التفاصيل

مشكلة الإحصاء أنه يجيد قياس ما يمكن تحويله إلى متغيرات، بينما توجد جوانب من القيمة يصعب تحويلها إلى أرقام موحدة. يمكن قياس مساحة الشقة بدقة تصل إلى السنتيمتر، لكن كيف تقيس جودة التصميم؟ يمكن تسجيل عدد غرف النوم، لكن كيف تسجل أن توزيعها سيئ؟ يمكن معرفة عمر المبنى، لكن العمر وحده لا يخبرك إن كان مبنى عمره عشر سنوات أفضل صيانة من مبنى لم يكمل عامه الثالث.

لهذا السبب قد تكون قاعدة البيانات صحيحة، والحسابات دقيقة، والمتوسط صحيحاً، لكن القرار الناتج عنها قد يكون ضعيفاً.

هذه المشكلة لا تقتصر على العقارات، بل هي مشكلة قديمة في الاقتصاد والإدارة والسياسات العامة.

تجارب دولية: أمريكا وبريطانيا

في الولايات المتحدة، تطورت منذ عقود نماذج تسعير العقارات التي تحاول تفكيك قيمة المنزل إلى خصائصه المختلفة، فيما يعرف بالتسعير الهيدوني. تدخل المساحة، وعدد الغرف، والموقع، وعمر العقار، وغيرها في النموذج لمحاولة تفسير اختلاف الأسعار. وقد حسنت هذه الأساليب القدرة على مقارنة العقارات، لكنها كشفت في الوقت نفسه حقيقة مهمة: كلما كان الأصل غير متجانس، أصبحت المقارنة المباشرة أكثر صعوبة. منزلان متجاوران ومتساويان في المساحة قد يحملان قيمتين مختلفتين لأسباب لا تظهر كاملة في قواعد البيانات.

وفي بريطانيا، واجهت مؤشرات أسعار المنازل الإشكالية ذاتها. فالمنزل الذي بيع هذا الشهر ليس هو المنزل الذي بيع الشهر الماضي، وتركيبة الصفقات نفسها تتغير. إذا ارتفعت مبيعات المنازل الفاخرة في فترة معينة، فقد يرتفع متوسط الأسعار حتى من دون حدوث ارتفاع مماثل في قيمة كل منزل. لذلك تستخدم المؤسسات الإحصائية نماذج تعدل أثر اختلاف خصائص العقارات، لأن مقارنة المتوسط الخام عبر الزمن قد تنتج صورة مضللة. المسألة تصبح أكثر وضوحاً عندما نغادر العقار. وللحديث بقية.