الرئيسيةكتاب و آراءدقة الألفاظ القرآنية في تصوير خروج...
كتاب و آراء

دقة الألفاظ القرآنية في تصوير خروج الماء: بين الانفجار والانبجاس والفوران

لم يقتصر حديث القرآن عن الماء على نزوله من السماء، بل تناول تفاصيل خروجه من الأرض بألفاظ دقيقة تعكس مراحل الحدث وقوته. ففي العربية، يحمل كل لفظ من ألفاظ اندفاع الماء دلالة خاصة، لا يمكن استبدالها بأخرى دون إخلال بالمعنى.

الانفجار والانبجاس: صورتان للحظة واحدة

تتجلى هذه الدقة في قصة موسى عليه السلام، حين ضرب الحجر بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً. وقد وردت هذه القصة مرتين في القرآن بلفظين مختلفين: في سورة البقرة الآية 60: (فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا)، وفي سورة الأعراف الآية 160: (أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا). فالانفجار يدل على شدة اندفاع الماء وقوة انبثاقه دفعة واحدة، بينما الانبجاس أرق منه، إذ يصوّر بداية خروج الماء وتشقق موضعه قبل أن يتدفق. وهكذا، يصوّر القرآن المشهد نفسه من زاويتين: زاوية القوة الأولى عند ضرب الحجر فينشق (الانبجاس)، وزاوية الغزارة والفيض حين يتدفق الماء بعد ذلك (الانفجار)، فيرسم اللفظ التتابع الدقيق لمراحل الحدث الواحد.

تفجير الأرض كلها في طوفان نوح

وفي موضع آخر، يستخدم القرآن فعلاً مضعّفاً يفيد الكثرة والتعميم، حين يتحدث عن تفجير الأرض كلها لا نبعاً واحداً: (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِر) [القمر: 12]، وذلك في سياق طوفان نوح، حيث لم يعد الأمر عيناً واحدة بل أرضاً بأكملها تتشقق بالماء من كل جانب. ويصاحب هذا الفعل في الآية التالية وصف آخر لماء السماء في الحدث ذاته: (ففتحنا أبواب السماء بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ) [القمر: 11]، أي منصبٍّ بشدة متدفقة، فاجتمع في مشهد الطوفان الواحد ماءان: ماء السماء المنهمر من أعلى، وماء الأرض المنفجر من أسفل.

الفوران: خروج الماء من موضع ضيق مفاجئ

ثمة لفظ آخر يستحق التأمل، وهو الفوران، الذي لا يوصف به إلا الماء الخارج بقوة مفاجئة من موضع صغير ضيق، كما في قوله تعالى عن بدء الطوفان: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّور) [هود: 40]، فجعل خروج الماء من التنور (وهو موقد الخبز الصغير) علامة على هول ما هو آتٍ؛ فليس فوران الماء من موضع ضخم كالبحر مدهشاً بقدر فورانه من موضع صغير ألفه الناس هادئاً.

المعجزة الصغرى في دقة اللفظ القرآني

حين نضع هذه الألفاظ جنباً إلى جنب: الطلّ، الرذاذ، الديمة، الغيث، الهطل، الوابل، السحّ، الانبجاس، الانفجار، الفوران، الطوفان – نكتشف أن العربية لم تكن تصف الماء بقدر ما كانت تصف حال خروجه: مصدره، وشدته، ومدته، وأثره في النفس والأرض معاً. وهذا هو جوهر دقة العربية؛ فما نظنه مترادفات نكتشف أنه يحكمه فارق دلالي دقيق، بحيث لو استُبدل لفظ بلفظ لاختلّ المعنى ولو يسيراً. فحين يقول القرآن انفجرت في موضع وانبجست في آخر، لا يعد هذا تنويعاً أسلوبياً، وإنما تصوير مشهدٍ بعينه لا يصلح له غير هذا اللفظ. وتلك، في نهاية المطاف، هي المعجزة الصغرى التي تختبئ خلف كل معجزة كبرى: أن يكون اللفظ بحجم المعنى تماماً، لا يزيد عليه ولا ينقص عنه قطرة واحدة.