الرئيسيةكتاب و آراءوردة مشعل ورسالة نشود: حين تسكن...
كتاب و آراء

وردة مشعل ورسالة نشود: حين تسكن مشاعر الأبناء أعماق القلب

رسالتان تحملان أكثر من مجرد كلمات

كم من رسائل تصل إلينا فتملأ الأرواح فرحاً والقلوب بهجة، قادمة من أهل أو أصدقاء أو أحبة. قد تكون كلماتها قليلة، لكن أثرها يظل عميقاً. بعضنا يحتفظ بها لسنوات ليعود إليها في لحظات الحنين، وبعضها قد يتلاشى ورقها أو يُفقد، لكنها تظل محفورة في الذاكرة؛ لأن هناك رسائل لا تحتاج إلى مكان للحفظ، فهي ببساطة تقطن القلب.

أنا هنا لا أعني الرسائل السريعة الزائلة، بل تلك التي تفيض بالمحبة الخالصة، والتي تنبع من شعور حقيقي فتصل إلى الروح بلا حواجز.

من النعم التي أنعم الله بها عليّ عائلة محبة من جانبي ومن جانب زوجي — رحمه الله — فمن الجهتين أحاطني الله بأحبة أعتز بهم، وأسأله أن يبارك فيهم ويمنحهم فوق ما يتمنون.

واليوم وصلتني رسالتان، كل واحدة تحمل معنى يتجاوز حجمها.

الوردة التي زرعها مشعل بعناية

الأولى كانت وردة من أحد الأبناء، مشعل. قد يتساءل البعض: ما قيمة وردة؟ لكن الأمور لا تقاس بحجمها، بل بالقصيدة التي تقف خلفها. هذه الوردة لم تكن مجرد وردة اشتراها وأهداها، بل وردة اعتنى مشعل بشجرتها، وغرسها وسقاها واهتم بها حتى أزهرت، ثم حملها إليّ. وهنا تكتسب الوردة معنى جديداً.

ما أجمل أن نرى أبناءنا يسيرون على خطى آبائهم، ويحملون منهم حب المكان والشعور بالانتماء إلى القرية والأرض والبيت والذكريات. فالانتماء الحقيقي لا يكون بالكلمات وحدها، بل يظهر في الحضور والاهتمام والمحافظة على المكان. شكراً لمشعل على وردته التي تحمل لي الكثير؛ لأنها تحتوي شيئاً من روحه، وشيئاً من الأرض التي يحبها، وشيئاً من الوفاء الذي تعلمه.

رسالة نشود التي تعيد تعريف الذكريات

أما الرسالة الثانية فكانت من نشود، تلك الابنة التي كانت تبرز وهي طفلة لتلقي كلمة في الحفل الذي كنت أقيمه لهم في الديرة، في دوس بني علي، خلال إجازة الصيف بمناسبة نجاحهم. وما زلت أحتفظ بكلماتها التي ألقتها حينها، وكأنني كنت أعرف أن بعض اللحظات الصغيرة ستصبح يوماً من أجمل الذكريات.

واليوم أضيف إلى تلك الذكريات رسالة جديدة كتبتها نشود وأعطتني إياها ونحن في دوس. وكأن هذه القرية الساحرة ليست مجرد مكان، بل منبع للحب وامتداده؛ حب غرسه الآباء في أبنائهم وعززته الأمهات، فنشأ الأبناء وهم يشعرون أن لهم جذوراً وذاكرة مشتركة. قرأت رسالة نشود فشعرت أن كاتبتها لم تعد تلك الطفلة التي أعرفها، بل شابة واعية تعرف قيمة المكان الذي تنتمي إليه. تحدثت عن الأرض والبيت والذكريات والحب، حتى وقفت أمام كلماتها احتراماً، وكأنني أستمع إلى قصيدة حب لأرض الآباء والأجداد.

فالبيت الذي شهد طفولة الأبناء وضحكاتهم ونجاحاتهم ولقاءات العائلة ليس مجرد جدران، بل ذاكرة كاملة. وحين تتغير الأيام ويغيب بعض من كانوا يصنعون الحياة فيه، يبقى الأثر. وهنا أدركت أن أجمل ما يتركه الآباء في أبنائهم ليس المال والممتلكات وحدها، بل قيم تبقى بعدهم: حب الأسرة، وصلة الرحم، والوفاء للمكان، واحترام الذكريات، والانتماء.

الأبناء الذين يحملون جذورهم يصنعون المستقبل

الإنسان قد يرث بيتاً أو أرضاً، لكنه قد يرث شيئاً أعظم بكثير: الانتماء. وما أجمل أن يحمل الأبناء هذا الحب، فلا يحفظون ذكريات آبائهم فقط، بل يصنعون ذاكرة جديدة لأبنائهم من بعدهم. وهكذا تستمر الحكاية: أب يغرس، وأم تعزز، وابن يحفظ، وابنة تروي، ثم يأتي جيل جديد ليحمل ما وصل إليه ولا يسمح للحكاية أن تنتهي. لقد صنعت لي وردة مشعل ورسالة نشود يوماً جميلاً. قد يراهما البعض تفاصيل بسيطة، لكنني أؤمن أن قيمة الأشياء ليست في ثمنها، بل في المعنى الذي تحمله.

ولن أكون مبالغة إن قلت: إن حبي وارتباطي بأبناء وبنات العائلة، وببيت القرية، شيء يفوق الوصف. إنها علاقات هي ماء الحياة وملحها، ومن أجمل ما يمكن أن يملكه الإنسان. فالأبناء الذين يحفظون أثر آبائهم لا يكرمونهم وحدهم، بل يكرمون أنفسهم أيضاً. والأجيال التي تعرف جذورها تعرف من أين جاءت، وما الذي ينبغي أن تحافظ عليه. لذلك أقول لمشعل: شكراً على الوردة التي حملت أكثر من لونها ورائحتها. وأقول لنشود: شكراً على الرسالة التي جعلتني أرى بيتنا القديم بعين طفلة كبرت، لكنها لم تكبر على حب جذورها. وشكراً لكل أب وأم غرسوا في أبنائهم هذا النوع من الحب؛ فما زرعوه لم يكن مجرد ذكريات، بل كان جذوراً.

بعض الرسائل تُقرأ ثم تُنسى، وبعضها تُحفظ في الأدراج، لكن هناك رسائل لا تحتاج إلى ورق ولا صندوق ولا هاتف… رسائل تسكن القلب. وما أجملها حين تأتي من الأبناء، حاملةً رائحة الأرض، ودفء البيت، وصوت الذكريات، ووفاء الأجيال لبعضها. حينها نعرف أن أجمل ما تركه الذين أحببناهم خلفهم ليس الأشياء، بل أناس يحملون محبتهم في قلوبهم.