ادعاء المعرفة المطلقة: حين يتحول الجهل إلى ثقة زائفة

ثمة شخصيات تتصرف وكأنها موسوعات متنقلة، تجيد الحديث في شؤون السياسة والإعلام، وتقدم تحليلات اقتصادية، وتفتي في العلاقات الإنسانية، وتتناول الثقافة والسياحة والإدارة. وما إن تفتح معها بابًا جديدًا حتى تبادرك قائلة: “أنا أعرف”.
ثقة عمياء بلا أساس
الأكثر إثارة للدهشة أن هذه الشخصيات لا تكتفي بادعاء المعرفة، بل تسعى لإقناعك بأن فهمك قاصر وتجربتك محدودة، بينما هي تحتكر الرأي الأول والأخير. فإلى متى يستمر هذا الادعاء؟
ليس في قول “لا أعرف” أي عيب، بل قد تكون هذه العبارة من أبرز دلائل الوعي والثقة الحقيقية بالنفس. فالمعرفة بحر واسع، وكلما ازداد علم الإنسان أدرك حجم ما يجهله. أما مدعو المعرفة فيكفيهم أن يمسكوا بطرف خيط لينسجوا حوله حكاية طويلة من المعلومات والآراء، ويتحدثون بثقة توحي لمن يستمع إليهم بأنهم قضوا سنوات في دراسة الموضوع، بينما الحقيقة أنهم ربما سمعوا عنه قبل دقائق.
المشكلة ليست في نقص المعرفة بل في الثقة المفرطة
المشكلة الحقيقية ليست في قلة المعرفة، فجميعنا نجهل الكثير، بل في الثقة العالية المصاحبة للجهل، وفي تحويل المعلومة الناقصة إلى حقيقة مسلمة، والرأي الشخصي إلى قاعدة ثابتة، والتجربة المحدودة إلى خبرة يراد فرضها على الجميع.
وهناك نوع آخر أكثر إزعاجًا: لا يريد أن يعرف فحسب، بل يريد أن يكون الأعرف دائمًا. إن تحدثت قال: “أعرف”، وإن شرحت قال: “فاهم”، وإن رويت تجربة عاشها غيرك أخبرك أنه يعرف تفاصيلها أكثر ممن عاشها. وكأن الحوار معه ليس لتبادل المعرفة، بل مسابقة يجب أن يفوز فيها بلقب “أنا أفهم أكثر منكم جميعًا”.
تواضع أمام المعرفة
الحياة لا تحتاج منا أن نكون موسوعات أو أن نمتلك إجابة عن كل سؤال. كل ما تحتاجه هو شيء من التواضع أمام المعرفة، واحترام تخصصات الآخرين وتجاربهم وعقولهم. فليس كل من أمسك أول الخيط عرف الحكاية كاملة، وليس كل من تحدث بثقة أصبح خبيرًا.
وأحيانًا تكون كلمة “لا أعرف” أكثر علمًا وصدقًا من حديث طويل منسوج بخيوط الادعاء. أما من يصر على أنه يفهم كل شيء، فربما الشيء الوحيد الذي لم يفهمه بعد هو أن الإنسان الذي يعرف حقًا، يعرف جيدًا كم بقي له مما لا يعرف.



