شهادة عبدالرحمن عزام عن الملك عبدالعزيز.. رؤية قائد وإرادة باني

تمثل الصلة الوثيقة بين الملك عبدالعزيز آل سعود، مؤسس الدولة السعودية الحديثة، وعبدالرحمن عزام، أول أمين عام لجامعة الدول العربية، تجسيداً لرابط يجمع بين مشروعين متكاملين: إقامة دولة راسخة تحفظ الكرامة، وصياغة إطار عربي موحد يدافع عن المصالح ويعزز التعاون. فإذا كانت السياسة تقاس غالباً بالوثائق والتحالفات، فإن هذه العلاقة تُقرأ أيضاً بوصفها انعكاساً لعلاقة الإنسان برسالته.
علاقة تتجاوز السياسة
لم يكن الملك عبدالعزيز مجرد حاكم يمتلك أدوات السلطة، بل رجل مبدأ وقيم. وفي شهادة عبدالرحمن عزام، نجد صورة ناصعة: (وقد عرفته منذ قرابة ثلاثين سنة، هو.. هو الرجل الذي يملأ سمع الدنيا وبصرها). وليست هذه العبارة مجرد ثناء عابر، بل اعتراف بأن الملك عبدالعزيز حين دخل مرحلة التاريخ، حمل أثرُه إلى كل عاصمة عربية أو أجنبية.
إرادة تتجاوز الإمكانات
ويقدّم عزام تفصيلة أخرى تكشف عمق الصورة، إذ يقول: (عرفته وهو لا يملك من المال لإدارة هذا الملك الواسع إلا الكفاف..). فالملك عبدالعزيز لم يعتمد على الثروة، بل على عقل راجح، ونَفَس ثابت، وإرادة لا ترهقها الحسابات الضيقة. ويضيف: (وعرفته والدنيا تفيض بين يديه خيرا وبركة فلم يكن إلا عبدالعزيز بن سعود ولد سيدا ومات سيدا). وهنا تتجلى مفارقة نادرة: بداية قليلة الموارد تواجهها عظمة النتائج، وفي المنتصف شخصية تترفع عن المنّ والأذى: (يعطي كل ما يملك من القليل… لا يعرف المنّ والأذى…).
من بناء الدولة إلى تأسيس العمل العربي
ويمكن تفسير عمق العلاقة بين الملك عبدالعزيز وعزام بإدراك الملك المبكر لأهمية (الصوت العربي) قبل أن تتبلور المؤسسات. فمشروعه لبناء الدولة كان مشروعاً لحفظ الأمن والهوية، فيما جاء دور عزام ليحوّل تلك الهوية إلى إطار تنظيمي جامع. ولهذا ليس غريباً أن يشير عزام إلى أن الملك عبدالعزيز لم يكن يملك الجيوش ولا الأموال آنذاك، ومع ذلك نجح في أن يترك أثراً عميقاً لدى من التقوه من سياسيين وعسكريين وتجار وصحفيين، قائلاً: (ولا أعرف أجنبيًا… قابل عبدالعزيز بن سعود ولم يترك في نفسه أثراً باقياً).
وإذا كان عبدالرحمن عزام قد أورث الأمة فكرة الجامعة العربية كمنبر للمصير المشترك، فإن الملك المؤسس أورثها بالمعنى العملي أيضاً: دولة تحسن حماية الحق. ومن هنا تبدو شهادته التي يعود تاريخها إلى عام 1396هـ، رحمه الله، ليست مجرد وصف لشخص، بل قراءة لعهد كامل بدأه الملك عبدالعزيز، طيب الله ثراه.



