الرئيسيةكتاب و آراءنفوسٌ تأبى الانحدار.. دروس الشافعي في...
كتاب و آراء

نفوسٌ تأبى الانحدار.. دروس الشافعي في ترفّع النفس عن السفاهة

في فلسفةٍ أخلاقيةٍ تنتمي إلى أصناف مكارم النبلاء، يطرح الإمام الشافعي رؤيةً عميقةً حول صون النفس ورفعتها، إذ يقرّر أن الإنسان العاقل يحرص على أن يبقي ذاته عزيزةً لديه، فلا يُدنيها إلى مستوى من يُسفهون ويُنازلون. فالمبدأ الذي يقدمه يقوم على أن المرء حين يتعامل مع السفهاء، يمتلك القدرة على النزول إلى مستواهم ومجاراتهم والانتصار عليهم، غير أنه يأنف لنفسه ذلك؛ لأنها ذات قيمةٍ عالية وجوهرٍ نفيس، فيحفظ لها مكانتها ويتنزه بها عن سوقة القوم.

الفارس والمستنقع: صورة بصرية لمعنى الترفّع

يُصوَّر هذا النهج بمشهدٍ رمزيٍّ يلخص فكرة الترفع: فالفارس إذا اعترضه مستنقعٌ في طريقه، فإنه قادرٌ على اقتحامه وعبوره إلى الضفة الأخرى، لكنه يدرك أن درعه الثمين وفرسه الأصيل لن يخرجا سالمين من الوحل، فحتى لو كان النفاذ منه ممكنًا، فإن دخول تلك البيئة العكرة لا يخلو من أضرارٍ تلحق بالمرء. وهكذا، يفضّل الكريم أن يبتعد عن المواطن التي تُدنّس عرضه، حتى لو كان قادرًا على التحكم فيها.

عود الطيب: حين تتحول الإساءة إلى حكمة

ويغوص الشافعي في عمق هذه الفكرة أكثر، فيشبه نفسه بعود الطيب الذي كلما زاد الإحراق وفّر أريجه، فالإساءة التي يتعرض لها المرء تكشف عن معدن أصله؛ فالسفيه لا يزيده الأذى إلا سفاهةً، والكريم لا تزيده الإساءة إلا حلمًا وعفوًا، كما يقول: «يزيدُ سفاهةً فأزيدُ حلمًا كعودٍ زادَه الإحراقُ طيبًا».

هذا المفهوم يُعرف في فلسفة الأخلاق بـ«سيادة الروح»، وهي من أسمى المراتب التي يرتقي إليها الإنسان، إذ تصبح النفس فيها أرفع من أن تُستدرجها الخصومات إلى ما ينتقص من قدرها، أو أن تلتصق بها أدران اللؤم. وقد اصطلح بعض الفلاسفة على تسمية هذا المقام بـ«الأرستقراطية الروحية»، حيث يكون الحفاظ على رفعة النفس ووقارها غايةً في ذاتها، ولا تُبتذل النفس في كل معترك، وتنأى بطبيعتها عن السفاسف.

حكمة الأحنف بن قيس: ثلاث قواعد للتعامل مع الخصوم

ويستشهد الكاتب بقولٍ مأثور عن الأحنف بن قيس، حليم العرب، كما نقله ابن عبدالبر في كتابه «بهجة المجالس وأنس المجالس»، حيث قال: «ما نازعني أحدٌ إلا أخذتُ في أمره بإحدى ثلاث: إن كان فوقي عرفتُ له قدره، وإن كان دوني رفعتُ نفسي عنه، وإن كان مثلي تفضلتُ عليه». في هذا القول إشارةٌ إلى مراتب الحكمة في معاملة الناس: الاعتراف بفضل الأفضل، وصون الكرامة عند ملاقاة الأدنى، والتحلّي بمكارم الأخلاق مع المساوي.

ويقترح علم النفس السلوكي مفهومًا يحمل دلالةً مشابهةً، وهو أن التجاهل والترفع يُعدّان من أنجع الهجمات المضادة في مواجهة الخصوم، لأنهما يحققان أمرين: أولاً، سموّ النفس عن الانزلاق إلى مستوى الخصم؛ وثانيًا، توريث الخصم خيبةً تتفاقم كلما حاول ولا يجد صدى. ويُعرف هذا في المصطلحات العلمية بمفهوم عدم التعزيز (Non-reinforcement)، فالسلوك العدواني غالبًا ما يهدف إلى استثارة الطرف الآخر، فإذا لم يجد استجابةً خبا أثره، واغتاظ صاحبه من إخفاقه في بلوغ غايته.

دستور أخلاقي من القرآن الكريم

في ختام هذه الفلسفة، تأتي آية كريمة لتجمع هذه المعاني كلها في دستورٍ أخلاقي جامع، وهي قوله تعالى في سورة الأعراف (الآية 199): (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ). وتتضمن هذه الآية ثلاث قواعد أساسية في معاملة الناس: العفو والسماحة، والأمر بالمعروف، والإعراض عن السفهاء.