القراءة بين التباهي والتغيير الذاتي

استعراض المعرفة لا يصنع مثقفاً
ثمة فجوة عميقة تفصل بين من يقرأ بهدف إبهار الآخرين وبين من يقرأ بهدف تطوير ذاته؛ فالأول يسعى وراء جمهور يصفق له، بينما الثاني ينشد الحقيقة لنفسه. الأول ينظر إلى الثقافة باعتبارها أداة للبروز في المحافل، أما الثاني فيراها رحلة طويلة لإعادة تشكيل العقل وصقل الشخصية.
من يتخذ من الثقافة وسيلةً للتفاخر، يظل واقفاً أمام مرآة نفسه لا أمام عمق المعرفة. يحفظ أسماء الفلاسفة عن ظهر قلب، ويكرر الاقتباسات بكثرة، ويجيد الحديث عن الكتب أكثر مما يجيد الاستفادة منها. يدخل المجالس ليبرهن أنه الأكثر اطلاعاً، ويخوض النقاشات ليخرج منتصراً لا لكي يخرج أكثر فهماً. تتحول المعرفة في نظره إلى زينة يعلقها على شخصيته، لا إلى عنصر فاعل في بنائها.
القراءة الحقيقية تغير الداخل لا الخارج
أما من يطلب العلم لتوسيع مداركه فلا ينشغل بالصورة التي يراه بها الناس، بل ينشغل بالصورة التي ينبغي أن يكون عليها أمام نفسه. يقرأ لأنه يدرك أن كل فكرة جديدة تهدم جداراً من الجهل، وأن كل كتاب صادق يضيف إلى الإنسان بعداً جديداً في الفهم والتأمل. وهو لا يتردد في الاعتراف بجهله، لأن الإقرار بحدود المعرفة يعد الخطوة الأولى نحو الحكمة.
المفارقة اللافتة أن المثقف الحقيقي غالباً ما يكون أقل الناس ادعاءً للثقافة. فكلما اتسعت معرفته، ازداد يقيناً بأن الحقيقة أكبر من أن يمتلكها شخص واحد، وأن الإنسان لا ينضج بكثرة ما يتحدث، بل بكثرة ما يفهم. ولا يسمو بعدد الكتب التي قرأها، بل بمقدار ما غيرت تلك الكتب من أخلاقه وأحكامه ونظرته إلى الحياة.
الثقافة الحقة تهذب السلوك وتعلم التواضع
إن الثقافة التي لا تهذب السلوك، ولا تعلم صاحبها التواضع، ولا تمنحه القدرة على الإنصات واحترام الاختلاف، ليست سوى معلومات متراكمة في الذاكرة. أما الثقافة التي تلد إنساناً أكثر رحمة، وأكثر اتزاناً، وأكثر قدرة على مراجعة نفسه، فهي وحدها التي تستحق أن تسمى ثقافة.



