الأمير محمد بن سلمان يعيد تعريف مكانة الدين: تحريره من الاحتكار والغلو والأيديولوجيا

في قراءة متأنية لفكر الأمير محمد بن سلمان، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن رد الدين إلى موضعه الصحيح بعد أن اختطفته جماعات وتنظيمات متطرفة وإرهابية، وأحاطته بأعراف وتفسيرات ومصالح جعلتها منه إسلاماً لا يقبل غيره؟ الاختطاف لم يمس جوهر الدين ذاته، بل طال حق تفسيره وتمثيله، والمجال الاجتماعي الذي نُظم باسمه، حين ادعت فئة امتلاك المعنى الديني الصحيح وحدها، ونصبت نفسها وسيطاً بين الإنسان وربه، وحارساً على تدينه، ومراقباً لتفاصيل حياته، ومحدداً لما يجوز للمجتمع أن يراه ويسمعه ويفعله.
عام 1979: نقطة تحول في نمط التدين
ويستحضر الأمير عام 1979 في تفسير التحول الذي أصاب المنطقة، مشيراً إلى أنه لم يكن بداية التدين في السعودية، بل بداية غلبة نمط مخصوص من التدين على غيره. فالمجتمع السعودي قبل ذلك التاريخ كان متديناً، لكنه لم يكن محكوماً بذلك القدر من الارتياب في الحياة، ولا بتلك النظرة المتوجسة من المرأة والفن والجمال والعالم. حديث الأمير عن العودة إلى ما قبل تلك المرحلة ليس دعوة لاستيراد نموذج غربي، بل استعادة لاتزان سعودي داخلي اختل تحت ضغط الصحوة وآثار الثورة الإيرانية وصعود الإسلام السياسي.
فصل الدين عن التشدد وإعادة المسافة بين الوحي والاجتهاد
تكمن أهمية هذا التشخيص في فصله بين الدين والتشدد، بعد أن نجح المتشددون زمناً طويلاً في جعلهما شيئاً واحداً. فمن اعترض على الغلو اتهموه بخفة الدين، ومن طالب بتوسيع المباح صوروه محارباً للفضيلة، ومن ناقش تفسيرهم البشري أوهموا الناس أنه يناقش حكم الله. بذلك بنوا حصانة نفسية واجتماعية حالت دون نقدهم، وأكسبت آراءهم البشرية مهابة مستمدة من قداسة النص. أما الأمير فقد أعاد المسافة الفاصلة بين الوحي وتفسيره، وبين الشريعة والاجتهاد الفقهي، وبين العالم بوصفه مبيناً للحكم الشرعي وبين تحوله إلى صاحب سلطة موازية للدولة. احترام العلماء في هذا التصور لا يعني منح أحد منهم حق احتكار الدين، ولا تجعل مكانتهم العلمية اجتهاداتهم بمنزلة النصوص المقدسة، ولا تمنحهم ولاية على خيارات الناس وحياتهم الخاصة.
ويظهر هذا بوضوح في تمييزه بين القرآن الكريم، والسنة المتواترة، وأحاديث الآحاد، وما يتفاوت داخلها من درجات الثبوت والدلالة. لم يكن ذلك حديثاً فقهياً عابراً، بل كشف عن عقل يسأل عن الأساس الذي تبنى عليه الأحكام الملزمة للناس، ويرفض أن تخضع حقوقهم وعقوباتهم لرواية مختلف في ثبوتها، أو اجتهاد قابل لتعدد الفهم. ومن هنا يصبح تقنين الأحكام حماية للشريعة من العشوائية، وحماية للناس من تفاوت الاجتهادات، فلا يتغير الحكم بتغير القاضي، ولا يبقى الحق معلقاً على مزاج الفهم الفردي.
من سلطة المحتسب الفرد إلى سلطة القانون
في هذا السياق، لا يبدو تقليص صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إجراءً إدارياً معزولاً، بل تعبير عن تحول أعمق: الانتقال من سلطة «المحتسب الفرد» إلى سلطة القانون، ومن الوصاية على الناس إلى تحميلهم مسؤولية أفعالهم. فالدولة وحدها تملك تنظيم المجال العام وإنفاذ النظام، ولا يحق لفرد أن يعاقب آخر أو يفتش في ضميره أو يفرض عليه اجتهاده باسم الفضيلة. وعلى هذا الأساس يمكن فهم القرارات المتعلقة بالمرأة والفنون والترفيه والحياة العامة. فقيادة المرأة وعملها وتنقلها لم تكن خروجاً على الدين، بل تحريراً لها من أعراف اجتماعية ارتدت ثوب الحكم الشرعي حتى غابت الحدود بين العادة والعبادة. وكذلك لم تكن عودة السينما والموسيقى والمسرح مجرد توسع في الترفيه، بل استعادة لنظرة أكثر إنسانية إلى الحياة؛ فلا الجمال نقيض الإيمان، ولا الفرح باب للخطيئة، ولا العبوس علامة لازمة على التقوى.
لقد انتقل المجتمع في فكر الأمير من ثقافة تسأل: كيف نمنع؟ إلى دولة تسأل: كيف ننظم؟ وبين السؤالين تحول بالغ الدلالة؛ لأن الأول ينظر إلى الإنسان بوصفه موضع ريبة دائمة، أما الثاني فيراه مواطناً مسؤولاً، له حقوق وعليه واجبات، ويحتفظ داخل حدود القانون بمساحته الخاصة وحقه في الاختيار.
تحرير الدين من الأيديولوجيا واستعادة جلاله
ولعل أخطر صور الاختطاف كانت تحويل الدين إلى أيديولوجيا سياسية. فحركات الإسلام السياسي لم تكتف بالدعوة والإرشاد، بل أعادت تشكيل الدين بوصفه مشروعاً للوصول إلى السلطة، وقسمت المجتمعات إلى صفوف متقابلة، وربطت الولاء للإسلام بالولاء لتنظيماتها، وحولت المنبر والتعليم والعمل الخيري إلى أدوات لبناء النفوذ. لذلك كان تفكيك حضورها استعادة للدين من التنظيم، وللوطن من الولاءات العابرة للحدود. إن مشروع الأمير، في جوهره، لا يخرج الدين من الدولة والمجتمع، وإنما يخرج المتاجرين به من المساحة التي احتلوها باسمه. وهو لا يصنع إسلاماً جديداً، ولذلك تجاوز لاحقاً تعبير «الإسلام المعتدل» إلى الحديث عن الإسلام في أصله وجوهره؛ لأن الاعتدال ليس إضافة سياسية إلى الدين، بل هو طبيعته حينما يتحرر من الغلو والأيديولوجيا والوصاية.
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: لم يحرر الأمير المجتمع من سلطة كانت تمارس عليه باسم الدين فحسب، بل حرر الدين أيضاً من أعباء لم تكن منه؛ من كراهية الحياة، والخوف من العصر، واحتكار الحقيقة، والتوظيف السياسي. فالدين في فكره لم يفقد مكانته، بل استعاد جلاله: هداية لا أيديولوجيا، وقيمة لا سلطة اجتماعية، وضميراً يعمر الإنسان، لا قيداً يصنعه بعضهم ثم ينسبونه إلى الله تعالى.



