مارادونا: ثائر المستطيل الأخضر الذي لا يزال حياً في وجدان الشعوب

في زمن يهيمن فيه السباق على الأرقام القياسية والعقود المليونية تحت رعاية الشركات العملاقة، يظل دييغو أرماندو مارادونا خارج هذا الإطار التجاري، حاضراً بقوة رغم رحيله الجسدي، ومستعصياً على التلخيص في إحصائيات جافة.
لم يكن مارادونا مجرد لاعب كرة قدم، بل كان ظاهرة ثورية وملاذاً لشعوب أمريكا اللاتينية في نضالها من أجل الكرامة والاعتراف. انطلقت قصته من أعماق الفقر المدقع في حي “فيا فيوريتو” بالأرجنتين، ولم تنتهِ بصعوده إلى منصات الثورة في أمريكا اللاتينية، حيث اختار طوال رحلته مواجهة مباشرة مع رؤساء الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) وإمبراطوريات المال والأنظمة الغربية المهيمنة، محولاً اللعبة الشعبية من ترفيه استهلاكي إلى قضية وجودية.
تحذيرات مارادونا تتحقق في مونديال 2026
في عصر تسيطر عليه غرف العلاقات العامة التي تصنع لاعبين مهادنين يتجنبون المواقف الإنسانية حماية لمصالح الرعاة، وفي خضم منافسات كأس العالم 2026 الحالية في أمريكا الشمالية، التي تمثل الذروة التاريخية لتسليع كرة القدم، تثبت التحذيرات الشرسة التي أطلقها مارادونا أنها واقع معاش يعيد تشكيل ملامح الصراع الأبدي بين شعبية اللعبة ووحشية النظام الرأسمالي.
وفي سياق هذا التحول التجاري، يبرز التوافق الإحصائي مع نبوءات النجم الأرجنتيني، إذ كشفت دراسة حديثة نشرتها صحيفة “ذا تايمز” البريطانية حول آليات إدارة المباريات الحالية، كيف تحولت التوقفات التكتيكية المبتكرة إلى أداة في أيدي القوى الكروية الكبرى لإعادة ترتيب صفوفها والسيطرة على مجريات اللعب، وهو ما يتقاطع مع التحذيرات التاريخية التي أطلقها مارادونا عام 2018 ضد طغيان سلطة المال والرعاة، وتساؤلاته الاستشرافية آنذاك عن مساعي تقسيم المباراة إلى أربعة أشواط لخدمة الإعلانات التجارية وتطويع اللعبة تجارياً على حساب سلامتها وأصالتها.
وفاة مارادونا: سكتة قلبية جماعية وإعصار جيوسياسي
كان نوفمبر/تشرين الثاني 2020 شاهدا على سكتة قلبية جماعية أصابت القارات الخمس بالذهول عقب إعلان وفاة مارادونا عن عمر يناهز الستين عاماً، في مشهد تجاوز بروتوكولات العزاء الرياضية ليتحول إلى إعصار جيوسياسي، فنكست أعلام مقار حكومية سيادية، وصدرت نداءات نعي من قادة العالم وحركات التحرر والنقابات العمالية.
في هافانا شاب الوجوم الشعبي وداع رفيق سلاح خاض معارك التحرير الأولى، وفي كاراكاس استعاد أنصار الثورة البوليفارية خطاباته المناهضة لواشنطن، وفي نابولي خُيل للناس أن المدينة فقدت قديسها المتمرد، بينما كان النحيب حاراً وجماعياً في الأحياء البائسة لبوينس آيرس، مؤكداً حقيقة أن مارادونا كان ظاهرة سوسيولوجية تجسد انحيازاً مطلقاً للفقراء والمهمشين ومن لا صوت لهم.
من قاع البؤس إلى قيادة الثوار
لم يكن ممكناً تفكيك هذه الروح الصدامية دون الهبوط إلى حي “فيا فيوريتو” على أطراف العاصمة الأرجنتينية، حيث تشكل وعي دييغو وسط حزام خانق من الصفيح والفقر المطبق، مراقباً والدته “دونا توتا” وهي تتظاهر بالمرض لتترك كسرات الطعام القليلة لأبنائها، ووالده وهو يعود منهكاً من معمل المواد الكيميائية مقابل أجر زهيد.
من ذلك الفضاء المنسي، نبتت عقيدته الراسخة بأن العالم منقسم بنيوياً بين قلة تملك السلطة والثروة وأغلبية ساحقة مخنوقة، وهي الخلفية الطبقية التي جعلته ينظر بعين العداء الصريح لمراكز النفوذ، معتبراً شهرته تفويضاً شعبياً ليكون محامياً ولساناً ناطقاً باسم المحرومين أمام الكاميرات العالمية.
وتجلت هذه الرابطة الإنسانية العميقة بوضوح عقب تتويج الأرجنتين بكأس العالم 1986، ففي خضم الاحتفالات الصاخبة داخل ملعب “أزتيكا”، لخص مارادونا سنوات الكفاح في اتصال هاتفي مؤثر مع والدته قائلاً: “إنني ألعب من أجلك يا أمي”، وهو المشهد الإنساني الذي استعاده مونديال قطر 2022 بعد ستة وثلاثين عاماً من خلال احتضان أشرف حكيمي لوالدته واحتفال سفيان بوفال مع أمه على أرضية الملعب، ليعيد الأبطال في لحظات المجد صياغة مشهد ممتد يربط عنفوان الانتصارات بالأمهات اللواتي رعينه قبل أن يكتسح العالم.
الملعب ساحة سياسية ومواجهة مع الإمبراطورية
لم تكن السياسة عند دييغو مجرد شعارات، بل طاقة تنفجر تكتيكياً داخل المستطيل الأخضر، وتحديداً في صيف 1986 على أرض المكسيك، إذ كانت الأرجنتين تلملم جراح هزيمتها العسكرية أمام بريطانيا في حرب جزر الفوكلاند عام 1982، فتحولت مواجهة إنجلترا في دور الثمانية إلى حرب تطهيرية رمزية للكرامة الوطنية.
وفي غضون أربع دقائق صاغ مشهداً تراجيدياً صاعقاً، بدأ بالهدف الأول في الدقيقة 51 بقبضة يده التي وصفها بيد الله ومكر الفقراء الذين يسرقون حقهم من غطرسة الأقوياء، تلاه هدف القرن في الدقيقة 55 بانطلاقة إعصارية راوغ فيها نصف الفريق الإنجليزي، ليتحول من تلك اللحظة إلى مخلص أسطوري هزم الإمبراطورية العظمى بقدمه اليسرى.
ومع مطلع الألفية، اتخذ انخراطه السياسي طابعاً راديكالياً مباشراً بعدما احتضنه الزعيم الكوبي فيديل كاسترو ووفر له الرعاية الطبية مجاناً إثر إغلاق الغرب الرأسمالي الأبواب في وجهه، لتنشأ بينهما صداقة عميقة تُرجمت إلى أوشام محفورة على جسده، وجه كاسترو على ساقه اليسرى الساحرة، ووجه الثائر إرنيستو تشي جيفارا على ذراعه اليمنى.
وبلغ الصدام مع واشنطن ذروته في نوفمبر/تشرين الثاني 2005، عندما قاد قطار الثورة وتزعم تظاهرة شعبية حاشدة في مدينة مار ديل بلاتا الأرجنتينية ضد زيارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، معلناً إسقاط مشروع منطقة التجارة الحرة للأمريكيتين، بالتوازي مع مواقفه المبدئية الجريئة في دعم الحقوق الفلسطينية وإعلانه الصريح أمام الكاميرات: “أنا قلبي فلسطيني”.
صراع مع فيفا وثورة نابولي
في المقابل، شكل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) الخصم التقليدي والدائم لمارادونا، الذي كان مقتنعاً بأن المؤسسة تحولت إلى مافيا ورأس حربة للرأسمالية المتوحشة لامتصاص عرق اللاعبين لصالح الشركات الاحتكارية وحقوق البث، حيث خاض معارك ضارية ضد جواو هافيلانج وسيب بلاتر.
بلغ الصدام ذروته في استبعاده المثير للجدل من مونديال أمريكا 1994 بسبب مادة “الإيفيدرين”، معتبراً إياها مؤامرة انتقامية لقطع رجليه ومنعه من رفع رأسه مجدداً. ولم تقتصر حربه على المنابر، بل سعى في منتصف التسعينيات بالتعاون مع إيريك كانتونا وجورج وياه لتأسيس الرابطة الدولية للاعبي كرة القدم المحترفين لتكون نقابة عالمية تواجه الآلة الإدارية لفيفا وتدافع عن المنتجين الحقيقيين للثروة.
ولم ينحصر هذا الارتباط بالفقراء في أرجاء أمريكا اللاتينية، بل امتد ليتجسد في أزقة نابولي بالجنوب الإيطالي خلال ثمانينيات القرن الماضي، حيث كانت المدينة تعيش تهميشاً اقتصادياً وازدراءً طبقياً وعرقياً ممنهجاً من مدن الشمال الثري ونواديها المتغطرسة مثل يوفنتوس وميلان، فجاء مارادونا ليقود ثورة اجتماعية بقميص النادي المتواضع، كاسراً احتكار الشمال بالتتويج بلقب الدوري الإيطالي، وهو ما جعل جدارياته مقدسة في شوارع نابولي لعقود طويلة بوصفه بطلاً شعبياً أعاد لأبناء الجنوب اعتبارهم الإنساني والسياسي.
إرث خالد في مواجهة اللاعب المهادن
وعند وضع الإرث الإنساني في ميزان التاريخ، تتجلى الفجوة الشاسعة التي تجعل من ظاهرة مارادونا حالة فريدة تضعه في مرتبة عجزت الأجيال اللاحقة عن بلوغها، ففي عصر اللعبة المدجنة تحول الرياضي إلى علامة تجارية تدار مواقفها بدقة داخل غرف العلاقات العامة للحفاظ على عقود الرعاية.
وضع يمثله ليونيل ميسي الذي يؤاخذ عليه إذعانه التام للمؤسسات التجارية دون إطلاق تصريح واحد ينتقد القوى العظمى أو يناصر قضايا المستضعفين، الأمر الذي أعاد للأذهان تصريح رئيس فيفا السابق سيب بلاتر الساخر عام 2013 في جامعة أكسفورد حين وصف ميسي بـ”الولد الطيب الذي يفضله كل أب وأم”، كاشفاً عن تفضيل المنظومة للاعب المهادن مقارنة بكريستيانو رونالدو بعدما وصفه بالقائد العسكري داخل الملعب.
لم يكن سر مارادونا محصوراً في عدد أهدافه أو وزن كؤوسه، بل في جرأته على استخدام نجوميته ونفوذه لتكون قذيفة مدفعية في معارك سياسية واجتماعية كبرى، رافضاً ارتداء ثوب المنافق المقبول من النخب رغم تعرضه للشيطنة الإعلامية والعقوبات.
لهذا السبب تظل صوره معلقة في أزقة نابولي، وجدران مدارس هافانا، ومخيمات اللاجئين، كابن للجنوب صعد إلى عرش العالم ورفض أن يتحدث بلغة الأقوياء، مفضلاً أن يموت برداء الثائر الحافي ليرسخ في ذاكرة الشعوب إلى الأبد.



