الرئيسيةمحلياتموضوعية الصحافة بين الثبات والمرونة: نقد...
محليات

موضوعية الصحافة بين الثبات والمرونة: نقد وإشادة دون تملق

إن الصدق الصحفي يتجسد في الإشادة عندما تستحق الثناء، وفي النقد عندما تكون الملاحظات ضرورية. أما التحول المستمر في المواقف وفقًا لتقلبات القوى، فليس مجرد تكيف بل يُظهر نقصًا في المبدأ.

ثبات المواقف كقيمة أساسية

عند كتابة مقالات سابقة عن أمير الرياض آنذاك، الأمير سلمان بن عبدالعزيز، كان التعبير عن القناعة والاحترام صادقًا، لأننا ننتمي إلى تلك المدينة ونعرف إسهاماته. لم يتغير هذا الموقف عندما تولى منصب ولي العهد ثم الملك.

وبالمثل، أُنشئت عدة مقالات حول سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ورؤية “المملكة 2030″، إذ رأينا فيها مشروعًا وطنيًا غير مسبوق أحدث تحولًا جذريًا في مسار الدولة، وربما يكون الأكبر منذ ثلاثة قرون. سعينا لتقديم هذا المشروع بلغة علمية عالمية تفهمها الساحة الخارجية، وبروح سعودية تستوعبها الداخل.

الفرق بين الولاء والنقد الوظيفي

من الشائع أن يخلط بعض المسؤولين بين انتقاد أداء أحدهم واتهام الدولة أو رؤيتها، وهذا تصور خاطئ. الولاء للوطن ولقادته يختلف عن تقييم عمل المسؤولين التنفيذيين، الذين هم موظفون عامون يؤديون مهامًا محددة قد تنجح أو تقصر، ولا يجوز أن تكون فوق النقد.

نحن لا نبايع سوى الملك وولي العهد، ولا نُقِرّ بغيرهما. ومن حق كل مواطن أن يثني على الإنجازات، كما يملك الحق في الإشارة إلى العيوب، شريطة أن يتم ذلك بموضوعية واحترام.

نماذج استثنائية تستحق الإشادة

بينما توجد مناصب لم يرتقِ أصحابها إلى مستوى المسؤولية، هناك أيضًا شخصيات تستحق الفخر، مثل الأمير بندر بن سلطان، الذي ترك بصمة في العمل السياسي والدبلوماسي، والدكتور مساعد العيبان، الوزير الذي يُعد نموذجًا إداريًا يُحتذى به. لا توجد أي مصلحة شخصية تربطنا بأحدهم، لكننا نكتب عن الجوانب المضيئة في الدولة التي لا تُحصى.

المرونة مقابل التملق في مسار الوظيفة العامة

يعتقد بعض المتحدثين أن النجاح يُقاس بقدر القدرة على التكيف مع كل مرحلة بدلًا من اتخاذ مواقف ثابتة. ففي فترة صعود التيارات الإسلامية وتيارات الصحوة، لم يُدخل أحدهم في مواجهات مباشرة، ولم يُسجَّل عليه أي سلوك قد يجعله هدفًا للتشويه. استفاد من الأنظمة والامتيازات المتوفرة آنذاك، لكنه لم يخلُ من الانتقاد.

وبعد تغير المشهد، تبنى خطابًا يتماشى مع متطلبات العصر، واستمر في مناصبه مستفيدًا من فرص جديدة. عندما سُئل عن سبب عدم خوضه مواجهة مع “المثلث” السياسي، ردّ بسؤال عكسي حول من طلب منه ذلك ولماذا يتحمل تبعات مواقف كان بإمكانه تجنبها.

وقدم مثالًا واقعيًا: إذا كان هناك مسؤولان متقدمان للمنصب، الأول يحمل أعلى المؤهلات لكنه معروف بآرائه الصلبة، والثاني بمرونته وسجله الخالي من التشويه، فأيهما سيُختار؟ أجاب بأنه قد يكون صحيحًا في بعض الحالات، لكنه لا ينطبق على موقفنا.

نحن لا نتخذ مواقفنا بحثًا عن مناصب أو فرص، بل لأننا نؤمن بأنها تصب في مصلحة الوطن. وإن فضل بعض القادة الشخص المرن كالبهلوان المتقلب، فهذا حقهم واختيارهم. الغالبية يمكنها تغيير مواقفها بسهولة، لكن الندرة تكمن في العثور على من يعبّر عن رأيه الصادق دون أجندة أو مصلحة.

الموضوعية والإنصاف هما النادران الحقيقيان، وليس التلون وفق الظروف. يبقى السؤال الدائم: ما هو مقياس أثر الإنسان الحقيقي؟ هل يُقاس بعدد المناصب أو المكاسب، أم بالمواقف الثابتة رغم إغراءات التغيير؟

في النهاية، الحياة موقف وكلمة، ولا تستحق أن نقضيها ونحن نغير ألواننا مع كل تغيير. إذا كان هناك من يعارض أسلوبي، فأنا مستعد أن أكون لطيفًا ومشرقًا لمن يستحق، وصارمًا أمام الخطأ والفساد، لكن الأهم أن أظل موضوعيًا وواقعيًا.

المرونة الحقيقية، بحسب رأيي، لا تعني تغيير المبادئ مع كل مرحلة، بل تعني القدرة على العيش بين ثقافات وأديان وأعراق مختلفة، والتكيف مع الجميع دون التخلي عن القيم الأساسية.