الرئيسيةمحليات«المحبرة».. سند تاريخي للثقافة والتعليم في...
محليات

«المحبرة».. سند تاريخي للثقافة والتعليم في المملكة

تُعَدُّ الأدوات التعليمية القديمة، بما فيها “المحبرة” ومستلزمات الكتابة، جزءًا لا يتجزأ من الذاكرة الثقافية والتاريخية للمملكة. إذ توثّق هذه القطع مراحل تطور التعليم وأساليبه عبر عصور مختلفة، وتُظهر الجهود التي بَذلها المعلمون والطلبة لتلقي العلوم ونشرها رغم قلة الموارد المتوفرة آنذاك.

دور الأدوات في إظهار مسار الحركة العلمية

تكشف هذه الأدوات عن جانب مهم من تاريخ الحركة العلمية في المملكة، إذ تُظهر وسائل استُخدمت في التعليم والكتابة وحفظ المعارف. كما تُبرز قدرة المجتمع على استغلال الخامات الطبيعية المتاحة محليًا وتحويلها إلى أدوات تدعم مسيرة التعلم وتساهم في نقل العلوم بين الأجيال.

مواد الصنع والأنواع المتنوعة

كان التعليم في الماضي يعتمد على مجموعة واسعة من الأدوات التي صُنعت من موارد محلية. ارتكزت صناعة الأحبار على مواد طبيعية متعددة، من شجر التنوم والنبات المعروف بالرين إلى الزعفران والعصفر والسنا والفحم وقشور الرمان والصمغ العربي والزاج. استُخدمت الألواح التعليمية المصنوعة من أخشاب الأثل والطلح والسدر لتعليم القراءة والكتابة وحفظ النصوص، إلى جانب الأقلام المصنوعة من أغصان الأشجار وسعف النخيل والخيزران.

أنماط المحابر وتنوعها

برزت المحبرة كأحد أهم أدوات الكتابة، وتنوّعت أشكالها وموادها. من بينها المحبرة النجدية التي اشتهرت بجودتها، والمحابر الأسطوانية، والمحابر الشرقية المزخرفة، وكذلك المحابر النحاسية، ومحابر الصاج، والمحابر الزجاجية الملونة، ومحابر القباب. هذه الأدوات كانت أساسية في حفظ المؤلفات وصناعة الكتب وتجليدها.

وسائل تثبيت وتجليد الكتب

استُخدمت في عملية تجليد الكتب أدوات متخصصة مثل “المضمدة” التي ساعدت على تثبيت الصفحات قبل الخرز والخياطة والنقش على الأغلفة الجلدية، و”المشد” الذي كان يُستَخدم لتقوية الجلد الخارجي للكتاب وضمان تماسكه بعد التجليد.

الإضاءة للقراءة الليلية

لم تقتصر الوسائل التعليمية على أدوات الكتابة فحسب، بل شملت أيضًا وسائل إضاءة مكنّة العلماء والطلبة من القراءة بعد غروب الشمس. من أبرز هذه الوسائل السراج الحجري، الذي يُملأ بزيت الودك مع فتيل لتوفير الضوء اللازم للقراءة والكتابة.

جهود الباحث في جمع التراث

يُوضح الدكتور حمد الصيخان، أستاذ التاريخ في جامعة القصيم ومُهتم بجمع الأدوات التعليمية التراثية، أن شغفه بالتراث بدأ منذ أكثر من سبعة وعشرين عامًا، حين كان في المرحلة المتوسطة يجمع مقتنيات قديمة. تطور هذا الاهتمام خلال سنوات الدراسة الجامعية إلى تخصص في تاريخ التعليم والعلماء وطلبة العلم. ويؤكد أن القيمة التاريخية والثقافية لتلك الأدوات هي الدافع الرئيسي للبحث عنها وتوثيقها على مدار ثلاثة عقود.

أوضح الدكتور الصيخان أن الحصول على هذه القطع تم عبر تتبع مسار التعليم والعلماء والنسّاخ في المملكة، والتواصل مع أسرهم وأبنائهم وأحفادهم، ما مكنه من جمع مجموعة واسعة تشمل الأقلام، والمحابر، والألواح التعليمية، ووثائق التعليم، ووسائل النسخ والكتابة.

وأشار إلى أن بعض الأدوات في مجموعته تعود إلى فترات مبكرة من الدولة السعودية، ويُقدَّر عمر بعضها بأكثر من ثلاثمائة عام، ما يجعلها شهادة تاريخية توثق تطور البيئة التعليمية وجهود العلماء والكتّاب والنسّاخ في حفظ العلوم ونقلها.

وأوضح أن هذه القطع لا تقتصر على كونها أدوات قديمة، بل تُعد مصدرًا معرفيًا يُظهر أساليب التعلم والتدوين التي سادَت المجتمع في عصور مختلفة، وتُسهم في تعريف الأجيال الحالية بالوسائل التي استُخدمت في الماضي، وبالجهود المبذولة لبناء مجتمع علم ومعرفة.

تستمر هذه الأدوات والمواد التعليمية القديمة في أداء دورها في حفظ الإرث التعليمي الوطني وتعزيز الوعي بتاريخ التعليم في المملكة، إذ تُعد شواهد حضارية تُبرز عمق التجربة التعليمية السعودية ومكانة العلم في بناء الإنسان وتطوره عبر مراحل تاريخية متعددة.