الجامع الأزرق في القاهرة: معلم يجمع بين العمارة المملوكية والعثمانية بعد ترميم دام 14 عامًا

في قلب القاهرة التاريخية، يقف الجامع الأزرق شاهدًا على التلاقي بين فنون العمارة المملوكية والعثمانية، بعد رحلة امتدت قرونًا شهد خلالها أعمال تجديد وترميم أعادت إليه رونقه. يقع المسجد في منطقة الدرب الأحمر وسط العاصمة المصرية، وقد شُيّد في العصر المملوكي قبل أن يكتسب طابعه الأزرق المميز خلال تجديدات في العهد العثماني.
عمارة بين عصرين
بحسب وزارة السياحة والآثار المصرية، شيد الأمير آق سنقر الناصري، أحد مماليك السلطان قلاوون، المسجد عام 1346م. يُعرف لدى العامة باسم “الجامع الأزرق” نسبة إلى مجموعة من البلاطات الخزفية التي كُسيت بها بعض جدرانه والمدفن الملحق به، ويغلب عليها اللون الأزرق. كما عُرف المسجد بأسماء أخرى، بينها “جامع النور” و”جامع إبراهيم أغا”.
ويعود الاسم الأخير إلى الأمير العثماني إبراهيم أغا، الذي أجرى تجديدات وتوسعات في المسجد عام 1651م، وفق الوزارة. شملت تلك التجديدات إضافة بلاطات خزفية زرقاء إلى جدار القبلة، صُنعت خصيصًا في تركيا، وأصبحت من أبرز العناصر الفنية التي تميز المسجد.
ويقول كبير الأثريين بمصر مجدي شاكر، للأناضول، إن المسجد يحمل قيمة مهمة جدًا لأنه يجمع بين عصرين مهمين جدًا في المعمار بمصر، فالدولة المملوكية تشتهر بفكرة المعمار والزخارف وتميزت بذلك في مساجدها، وكذلك للعصر العثماني بصمته المعمارية أيضًا. وبهذا، حافظ المسجد على طابعه المملوكي، مع إضافة عناصر زخرفية عثمانية أسهمت في تشكيل هويته المعمارية الحالية.
زلزال وترميم شامل
في عام 1992، تعرض الجامع الأزرق لأضرار جراء زلزال ضرب القاهرة، ما أدى إلى إغلاقه. وبعد سنوات من الإغلاق، انطلقت أعمال ترميمه عام 2001، ضمن مشروع استمر 14 عامًا، حتى إعادة افتتاحه رسميًا في مايو 2015. شملت الأعمال ترميم الواجهات الخارجية وأروقة الصلاة والأسقف الخشبية والشرفات والأقبية والمئذنة والأضرحة الملحقة، بالإضافة إلى معالجة الشروخ وعزل الأسطح، وترميم البلاطات الخزفية المعروفة باسم “القاشاني” في جدار القبلة، واستكمال العناصر المتآكلة منها.
وبحسب مؤسسة صندوق الآغا خان للثقافة، نفذت فرق ضمت ما بين 60 و80 حرفيًا ومختصًا في ترميم الأعمال الفنية، أعمالًا بالمبنى بين عامي 2009 و2012. شملت إزالة التدعيمات الهيكلية المؤقتة التي وُضعت عقب زلزال 1992، وتركيب تدابير للحماية من الزلازل، خصوصًا عند قاعدة المئذنة. كما جرى الحفاظ على الألواح الرخامية وبلاط السيراميك من نوع “إزنيق”، إلى جانب أعمال واسعة لترميم الأسقف والواجهات. وافتتح المسجد مجددًا في مايو 2015، بحضور وزير الآثار المصري آنذاك ممدوح الدماطي.
تفاصيل معمارية وروابط تاريخية
يضم المسجد 3 أبواب موزعة على واجهاته الغربية والشرقية والشمالية. وبحسب محافظة القاهرة، يبلغ عرض المسجد 80 مترًا وطوله 100 متر، ويحتوي على 3 أضرحة. من بينها ضريح الأمير العثماني إبراهيم أغا المستحفظان، المصنوع من الرخام الأبيض، والمحاط بجدران مكسوة بالبلاطات الزرقاء. تشكل هذه البلاطات إحدى أبرز السمات التي أكسبت المسجد اسمه المتداول.
وفي مدينة إسطنبول التركية، يحمل مسجد السلطان أحمد أيضًا اسم “الجامع الأزرق”، نسبة إلى اللون الذي يغلب على زخارفه الداخلية. شُيّد مسجد السلطان أحمد بين عامي 1609 و1616، وتكتسي جدرانه الداخلية بأكثر من 20 ألف قطعة سيراميك منقوشة يدويًا باللون الأزرق.
قيمة سياحية وتسويق متخصص
لا تقتصر أهمية الجامع الأزرق بالقاهرة على قيمته التاريخية والمعمارية، بل تمتد إلى إمكاناته في جذب المهتمين بالتراث الإسلامي. في هذا السياق، رأى كبير الأثريين مجدي شاكر أن الآثار الإسلامية المملوكية والعثمانية في منطقتي الدرب الأحمر وشارع المعز، بما تضمانه من عناصر معمارية وفنية نادرة، تمتلك مقومات جذب سياحي عالمية.
ودعا شاكر إلى إعداد برامج سياحية متخصصة تستهدف أسواقًا محددة، بينها دول جنوب شرق آسيا والمهتمون بالعمارة التاريخية والتراث الإسلامي. كما شدد على أهمية الانتقال من التسويق السياحي العام إلى التسويق المتخصص، بما يتناسب مع تنوع الأنماط السياحية. وأكد شاكر أن الاستثمار الأثري والتطوير العمراني في القاهرة التاريخية يحتاجان إلى منظومة تسويق رقمية ودولية موازية، ويرى أن هذه الخطوة من شأنها تعظيم العائد الاقتصادي وإبراز مكانة التراث الإسلامي المصري على المستوى العالمي.










