الرئيسيةعربي و عالميقصف الحوثيين بالمسيرات يزرع الرعب في...
عربي و عالمي

قصف الحوثيين بالمسيرات يزرع الرعب في قلوب أطفال قرية الثوباني بالمخا

لم يعد الخروج إلى أزقة قرية الثوباني شمالي مدينة المخا مجرد نشاط يومي عادي بالنسبة للأطفال الذين نجوا من قصف بطائرة مسيرة شنتها جماعة الحوثيين. فبالنسبة لمن أصيبوا منهم، تحول صوت الطائرات في سماء القرية إلى هاجس ثقيل يلاحقهم حتى داخل غرف منازلهم، مما يقيد خطواتهم ويحول لياليهم إلى كوابيس مرعبة.

لحظة الانفجار المفاجئ

في عصر السادس عشر من أغسطس 2026، كان أنس محمد داؤود ومهدي محمد يوسف يلعبان مع أطفال آخرين في أزقة القرية. لم تكن لحظات العصر العادية تنذر بشيء، حتى اخترق سكون المكان طنين طائرة مسيرة أطلقها الحوثيون، أعقبه انفجار مباغت. يروي الطفلان أنهما لم يدركا ما جرى في الثواني الأولى؛ فجأة وجدا نفسيهما على الأرض وسط دمائهما، قبل أن يسارع الأهالي لنقلهما لتلقي الإسعافات. ومنذ تلك اللحظة، ارتبط الخروج من المنزل في ذهنهما بصوت تلك الطائرة، وباتا يفضلان البقاء في المنزل لتفادي أي خطر جديد.

إصابات متكررة وشهادات مؤلمة

لم تكن قصة أنس ومهدي استثناءً. ففي حادثة منفصلة بالقرية نفسها، كانت الطفلة ليان محمد محمود تسير مع شقيقتها غدير نحو إحدى بقالات الحي عندما داهمهما الطنين المعتاد للطائرة المسيرة الحوثية. أدى الاستهداف إلى إصابة ليان في ساقها اليسرى، بينما غرقت شقيقتها غدير في نوبة هلع شديدة رغم سلامتها الجسدية. تقول ليان بصوت يغلبه الخوف إن صوت الطائرات بات يثير الرعب في نفسها حتى وهي بين جدران منزلها، موضحة أنها تهرع فور سماعه للاختباء داخل “مخزن البيت”. أما أزقة القرية والبقالة فقد شطبتهما تماماً من حساباتها اليومية، خوفاً من تكرار لحظة الرعب تلك. وبالنسبة لغدير، فإن مشاهد الرعب لا تزال تسكنها والخوف لا يفارقها، ولم تنتهِ بانتهاء الانفجار، بل تعيش الخوف في كل تفاصيل حياتها في المنزل بحسب تعبير الأسرة.

دور المسعفين وذكريات الألم

في المركز الصحي الصغير بالقرية، ما زال الطبيب خالد بجاش يحمل في ذاكرته مشاهد ذلك العصر. يروي كيف سمع صوت الانفجار، وبعد لحظات قليلة وُجد أمامه أنس ومهدي مضروبين في أجسادهم وغارقين في الدماء. يقول إنه قدم لهما الإسعافات الأولية الضرورية لإيقاف النزيف، قبل اضطراره لتحويلهما بشكل عاجل إلى مستشفى “2 ديسمبر” في مدينة المخا لمتابعة العلاج.

نزوح متكرر ومعاناة لا تنتهي

بالنسبة للأب محمد داؤود، فإن ما أصاب ابنه أنس نتيجة قصف الحوثيين يمثل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من النزوح والمعاناة. يتساءل الأب بمرارة عن الملاذ الأخير المتبقي لأسرته بعد أن تقطعت بهم السبل. يقول متحسراً: “أنا نازح ومن تشريد إلى تشريد”، معبراً عن هواجسه المستمرة من إجبار أسرته مجدداً على النزوح بحثاً عن بقعة آمنة لا تصلها الحرب. على مقربة منه، يعيش محمد عيسى موسى أحمد داخل عشة، الذي حط رحاله في قرية الثوباني نازحاً قبل ثماني سنوات فاراً من محافظة الحديدة بسبب ممارسات الحوثيين بحق المدنيين وإجبار أبنائهم على الانخراط في القتال في صفوفهم. يرى أحمد أن أصوات المسيرات أفرغت حياة القرية من الاستقرار وألغت النوم من أبصار السكان، مؤكداً أن الواقع الجديد بات يضغط عليه جدياً للتفكير في نزوح آخر، هرباً من جحيم الترقب اليومي. في قرية الثوباني، الواقع أبعد بكثير مما تظهره التقارير العابرة. هناك، لا ينتهي القصف بتوقف الانفجار، بل يترك خلفه منازل مغلقة على خوف أطفالها. وما قرية الثوباني سوى نموذج حقيقي لعشرات القرى في الساحل الغربي للمخا وقرى الحديدة التي تكتوي بنيران قصف المسيرات الحوثية بصمت، بعيداً عن عدسات الإعلام، لتبقى معاناتها اليومية معلقة بين دوي الانفجارات وخوف لا ينتهي.