الرئيسية›عربي و عالمي›ذاكرة الجزيرة العربية الخضراء: صحارى اليوم...
عربي و عالمي

ذاكرة الجزيرة العربية الخضراء: صحارى اليوم كانت أنهاراً وبحيرات قبل ملايين السنين

تتغير صورة الجزيرة العربية بشكل لافت عبر العصور، فالصحراء التي نعرفها اليوم لم تكن على هذه الحال دائماً. دراسة حديثة نشرت في دورية «Nature» خلال عام 2025 كشفت أن وسط شبه الجزيرة شهد فترات مطيرة متكررة على مدى ثمانية ملايين سنة تقريباً، حيث توافرت المياه والنباتات، وعاشت كائنات تعتمد على الماء مثل التماسيح وأفراس النهر.

الربع الخالي: من منخفضات مائية إلى صحراء قاحلة

وحتى الربع الخالي، الذي يُعتبر حالياً واحداً من أكثر مناطق العالم جفافاً، يحمل في طياته سجلاً مختلفاً تماماً. فقد أعادت دراسة حديثة بناء صورة قديمة هناك، وأظهرت وجود بحيرات وأنهار، من بينها منخفض مائي بلغت مساحته نحو 1100 كيلومتر مربع، امتلأ بالمياه ثم فاض وشق وادياً يمتد حوالي 150 كيلومتراً.

وتحت كثبان الرمال تختفي حكاية أخرى؛ إذ كشفت تقنيات الأقمار الصناعية والرادار في السعودية عن مجارٍ مائية قديمة مدفونة لا تنتمي إلى شبكة الأودية الحالية، كانت تنقل المياه قبل أن تطمرها الرواسب والرمال. وكأن الصحراء لم تفقد الماء بالكامل، بل احتفظت بذكراه في أعماقها.

بين النصوص الدينية والحقائق الجيولوجية

هنا يبرز الحديث النبوي الصحيح: «حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا». واللافت في كلمة «تعود» أنها تشير إلى حالة سابقة؛ وهذا يتوافق، من حيث المعنى العام، مع ما تظهره الجيولوجيا اليوم من أن الجزيرة شهدت بالفعل عصوراً مطيرة متكررة. ولا يعني ذلك أن العلم أصبح تفسيراً مباشراً للحديث، لكنه يفتح باباً مشروعاً للتأمل.

والأكثر إثارة هو أن عودة الماء في الماضي كانت تعني عودة الحياة؛ فقد أظهرت الأبحاث أن الفترات المطيرة في الجزيرة فتحت ممرات للحيوان والإنسان بين أفريقيا وآسيا، مما جعل الجزيرة في أزمنة مختلفة جسراً للحياة وليس حاجزاً صحراوياً.

الجزيرة: حفظ إلهي وسنن كونية

أما وصف الجزيرة بأنها «محفوظة»، فلا ينبغي فهمه على أنها خارج قوانين الطبيعة؛ فالزلازل والجفاف والتحولات المناخية سنن كونية لا تستثني أي مكان. لكن لهذه الأرض خصوصيتها الدينية والتاريخية والجغرافية؛ ففي قلبها الحرمان الشريفان، وعلى أرضها انطلقت الرسالة، وفي باطنها سجل مائي عجيب يقول إن الجفاف الذي نراه ليس القصة كاملة.

ولعل سر الجزيرة ليس أنها لم تتغير، بل أنها تغيرت مراراً وبقيت؛ تراجع عنها الماء ثم عاد، وانحسر الاخضرار ثم ترك آثاره تحت الرمال.

وفي قصة الغلام الواردة في صحيح مسلم، في سيرة أخدود نجران، ورد أن رجال الملك حملوه في سفينة إلى وسط البحر، فهي ثابتة من حيث الرواية؛ لكن الاستدلال منها على أن البحر كان ملاصقاً لنجران يحتاج إلى احتراز، ولكن لا يمنع ذلك. كما يستوقفنا قوله تعالى في قصة سبأ: «وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير»؛ إذ ذكر المفسرون قرى متواصلة ومسالك عامرة بين اليمن والشام، تتوافر فيها المياه والثمار والأمن. وهذه الصورة التاريخية للجزيرة وجنوبها تكشف بيئة وحركة بشرية لا تختزل في الصحراء بصورتها المعاصرة.

فالجزيرة العربية ليست صحراء بلا ذاكرة؛ إنها أرض تخفي تحت رمالها أنهاراً، وفي صخورها تاريخاً، وفي نصوص الوحي وعداً يستحق التأمل. ويبقى الحفظ الحقيقي مرتبطاً بالإنسان نفسه: «لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ».