تحليل وضع مخزونات الديزل في أوروبا وخطة الإفراج المنسق

الوضع الحالي لمخزونات الديزل في أوروبا
لا يمتلك الاتحاد الأوروبي احتياطيًا نفطيًا مركزيًا واحدًا تديره بروكسل؛ بل تحتفظ كل دولة عضو بمخزونات طوارئ وفق قواعد أوروبية مشتركة. وتلزم هذه القواعد الدول بالاحتفاظ في جميع الأوقات بمخزون يساوي على الأقل 90 يومًا من متوسط صافي الواردات اليومية أو 61 يومًا من متوسط الاستهلاك المحلي اليومي، مع اعتماد القيمة الأكبر الناتجة عن الحساب. ولا يُشترط أن يغطي كل نوع من الوقود، مثل البنزين أو الديزل أو وقود الطائرات، هذه المدة بشكل منفصل؛ بل يسري الالتزام على إجمالي مخزونات النفط المحتسبة بالمنهجية الأوروبية.
وفق بيانات موقع “يورو أويل ووتش” المستندة إلى أرقام يوروستات، فإن احتياطيات وقود الطائرات في أوروبا تكفي لنحو شهرين فقط وتعتبر عند أدنى مستوياتها منذ عام 2019. وتكفي مخزونات البنزين حوالي 66 يومًا، بينما تصل مخزونات الديزل إلى نحو 90 يومًا. وتظهر الإحصاءات أن 15 دولة من أصل 27 عضوًا في الاتحاد لديها مخزونات ديزل تقل عن مستوى 90 يومًا، وتصنف 11 من هذه الدول بأنها في وضع “حرج”. وبالنسبة للبنزين، تواجه 19 دولة مستويات مخزون حرجة، ومنها إسبانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، بينما تهبط الاحتياطيات إلى أقل من 33 يومًا في رومانيا وليتوانيا.
يُضاف إلى ذلك أن مخزونات النفط الإجمالية كافية لحوالي 60 يومًا فقط، وتتوضع هذه المخزونات في منشآت وطنية متنوعة داخل الدول الأعضاء، ولا يوجد مستودع مركزي واحد يتبع للاتحاد. وتسمح القواعد الأوروبية بأن تحتفظ دولة عضو بجزء من مخزونها داخل دولة عضو أخرى وفق ترتيبات واتفاقات محددة، لذا فإن مصطلح “الاحتياطي الأوروبي” يصف في الواقع شبكة من المخزونات الوطنية والخاصة الخاضعة لالتزامات مشتركة، وليس مخزونًا واحدًا يمكن للمفوضية الأوروبية الإفراج عنه بقرار منفرد.
اتفاق مجموعة السبع وإطلاق الاحتياطيات
أعلن قادة مجموعة السبع عن تنفيذ إفراج منسق عن 100 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية عبر وكالة الطاقة الدولية، يبدأ فورًا ويستمر أربعة أشهر، مع توفير كميات كبيرة من الديزل خلال أول عشرين يومًا. ويأتي هذا الإجراء تنفيذا لالتزامات سبق أن أعلنتها الدول الأعضاء في الوكالة خلال مارس/ آذار الماضي، مع مراعاة الكميات التي جرى الإفراج عنها بالفعل.
وبموجب تلك الالتزامات السابقة، وافقت الدول الـ32 الأعضاء في الوكالة بالإجماع على إتاحة 400 مليون برميل من مخزونات الطوارئ، وقد تعهدت أوروبا بتوفير نحو 107.5 مليون برميل من هذا المجموع، حيث بلغت المساهمة الحكومية 32.7 مليون برميل والمساهمة عبر تخفيف الالتزامات المفروضة على مخزونات الشركات 74.8 مليون برميل. وشكلت المنتجات النفطية المكررة حوالي 68% من المساهمة الأوروبية، مقابل 32% للنفط الخام.
بالإضافة إلى ذلك، جدد قادة المجموعة التزامهم بالامتناع عن فرض قيود على صادرات الطاقة ومنتجاتها بين دول المجموعة، ودعوا المنتجين الآخرين إلى تجنب إجراءات حظر قد تزيد الضغوط على الأسواق. وقد صدر هذا التعهد في أعقاب تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض حظر أو قيود على صادرات الديزل في حال لم تسحب الدول الأوروبية من مخزوناتها الاحتياطية.
التداعيات والآراء الأوروبية
أكدت المفوضية الأوروبية أن إمدادات الديزل في الاتحاد لا تزال مستقرة في الوقت الراهن رغم ارتفاع الأسعار وضيق السوق العالمية، وأشارت إلى أن مخزونات المنتجات التجارية في مركز أمستردام‑روتردام‑أنتويرب، أحد أهم مراكز تجارة وتخزين النفط في أوروبا، كانت أقل من متوسطها لخمس سنوات في 29 سبتمبر/ أيلول الماضي لكنها استقرت خلال الأسابيع الأخيرة. وتعمل المصافي الأوروبية عند مستويات قريبة من طاقتها القصوى استجابة لضيق السوق، بينما تظل مخزونات الطوارئ عند مستويات مرتفعة ومتاحة في حال وقوع اضطراب.
ومع ذلك، حذرت المفوضية من أن استمرار الصراع في الشرق الأوسط وارتفاع الطلب خلال الخريف والشتاء قد يضيفان مزيدًا من الضغوط على السوق. ولفتت إلى أن الاعتماد الأوروبي على الديزل الأمريكي ازداد بشكل ملحوظ، إذ ارتفعت الواردات الأوروبية من الديزل الأمريكي بنحو 99% بين فبراير/ شباط ويونيو/ حزيران الماضيين على أساس سنوي، بينما تستورد المملكة المتحدة نحو 55% من احتياجاتها من الديزل، يأتي قرابة ثلثها من الولايات المتحدة.
من الناحية الاقتصادية، يواجه القطاع الصناعي الأوروبي ضغوطًا بسبب تكلفة الطاقة؛ فبحسب بنك الاستثمار الأوروبي، دفعت الشركات في الاتحاد الأوروبي خلال 2024 متوسطًا يقارب 226 يورو لكل ميغاواط/ساعة من الكهرباء، مقابل 139 يورو للشركات الأمريكية. كما كانت أسعار الغاز في الاتحاد الأوروبي أعلى بما يتراوح بين 3 و5 أضعاف من أسعارها في الولايات المتحدة خلال العام نفسه، ما يزيد الضغوط على القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية.
ويوضح الخبر أن قرار السحب لا يعني بالضرورة فتح مستودعات حكومية وضخ النفط دفعة واحدة في الأسواق؛ بل يمكن أن يشمل السحب المباشر من المخزونات الحكومية أو خفض الحد الأدنى للمخزون الذي تُلزم الشركات بالاحتفاظ به، مما يتيح كميات إضافية للسوق. وفي مايو/ أيار الماضي، اقترحت مجموعة تنسيق النفط الأوروبية الجمع بين الإفراج من المخزونات وإجراءات لخفض استهلاك الوقود إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة، بهدف إطالة أمد الاحتياطيات. ويضيف قرار مجموعة السبع الصعيدًا جديدًا إلى هذه الآلية، حيث ينص على تنفيذ إفراج منسق عن 100 مليون برميل عبر وكالة الطاقة الدولية على مدى أربعة أشهر، مع تقديم كميات من الديزل خلال أول عشرين يومًا، ومناقشة إمكانية الإفراج عن كميات إضافية إذا استدعت أوضاع السوق ذلك.
في الختام، بينما ترى المفوضية الأوروبية أن إمدادات الديزل مستقرة حاليًا، فإن ضيق السوق العالمية وارتفاع الأسعار واضطراب بعض طرق الإمداد أعاد مخزونات الطوارئ إلى صدارة الأدوات التي يمكن للدول الأوروبية استخدامها لاحتواء صدمات جديدة في سوق الطاقة.










