الرئيسيةكتاب و آراءكيف تتشكل صورنا عن العالم عبر...
كتاب و آراء

كيف تتشكل صورنا عن العالم عبر الإعلام؟

أصل المفهوم

إن عبارة «الصور التي في أذهاننا» تُعتبر من أقدم وأهم المصطلحات في مجال الدراسات الإعلامية، وقد قدمها إلى النقاش الصحفي والفكر الأمريكي والتر ليبمان في عمله الموسوم بـ«الرأي العام» الذي ظهر عام 1922. وبين ليبمان أن غالبيتنا لا نكتسب معرفة بالحروب والأزمات والدول والشخصيات عبر الرؤية المباشرة، بل نتحصل عليها أولًا من الصحف، ثم من الإذاعة والتلفزيون، وفي الوقت الراهن من الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. وتابع قائلاً: نحن لا ندرك العالم من خلال التجربة المباشرة، بل من خلال الصور والتخيلات التي تتشكل في أذهاننا.

تطور النظرية في الإعلام

أطلق ليبمان على هذا العالم الموجود في أذهاننا مصطلح «البيئة الخيالية»، مشيرًا إلى أن الواقع واسع ومعقد إلى درجة لا يستطيع أي إنسان الإحاطة به بالكامل، لذا يبني كل فرد نسخة مبسطة منه يستند إليها في تشكيل مواقفه وسلوكه. كمثال، إذا وصل إلى شخص ما عن دولة معينة أخبار تركز فقط على الحروب والفقر والاضطرابات، فقد يتشكل لديه انطباع بأن هذه الدولة مجرد ساحة للفوضى، رغم أن واقعها قد يكون مختلفًا تمامًا. ومن هنا تنبع فكرة «الصور النمطية» أو «القوالب الجاهزة»، وهي الأطر الذهنية المبسطة التي نستخدمها لتصنيف الأفراد والجماعات والمجتمعات، وغالبًا ما تكون هذه القوالب مبتعدة عن الحقيقة أو مبالغًا فيها. وأشار ليبمان إلى أن وسائل الإعلام تلعب دورًا محوريًا في بناء تلك الصور، إذ إنها غير قادرة على عرض كل ما يحدث، فتختار بعض الأحداث وتهمل أخرى، وتبرز مواضيع معينة وتقدمها من زوايا محددة. وقد أدى هذا الفهم إلى ظهور نظريات إعلامية لاحقة تشرح نفس الظاهرة من زوايا مختلفة: نظرية «حراسة البوابة» تبين كيف يتم اختيار ما يصل إلى الجمهور، ونظرية «تحديد الأجندة» توضح كيف تجعل وسائل الإعلام بعض القضايا أكثر أهمية في نظر الناس، بينما يوضح مفهوم «التأطير» كيف تؤثر طريقة عرض القضية وصياغتها اللغوية على فهمنا لها. ويمكن اعتبار هذه النظريات امتدادًا مختلفًا للسؤال الذي طرحه ليبمان: كيف تتشكل الصورة التي نحملها في أذهاننا عن العالم؟

العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي

وفي العصر الرقمي، لم تعد الصحف والقنوات التلفزيونية وحدها هي التي تبني صورنا عن الواقع، بل أصبحت منصات التواصل ومحركات البحث والمؤثرين ومنتجي المحتوى والمستخدمين شركاء في هذه العملية. والأهم من ذلك دخول الخوارزميات بوصفها «حراس بوابة» حديثًا يقررون أي المنشورات ومقاطع الفيديو والأخبار تظهر أمام كل مستخدم. وبالتالي قد يعيش شخصان في نفس المجتمع، لكن كل منهما يواجه عالماً إعلامياً مختلفًا عن الآخر. ومع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبحت المسألة أكثر إلحاحًا؛ فاليوم بإمكان الفرد طلب من نظام ذكاء اصطناعي أن يشرح له حربًا أو أزمة سياسية أو قضية اجتماعية، فيحصل على تمثيل مختصر للعالم وبلا التعامل معه مباشرة. كما تستطيع تقنيات الذكاء الاصطناعي توليد صور ومقاطع فيديو تبدو واقعية لأحداث لم تحدث أبدًا. وبعد مرور أكثر من قرن على كتاب ليبمان، تغيرت الوسائل لكن بقي السؤال نفسه: من يصنع «الصور التي في أذهاننا»؟ كان الجواب في عصره هو الصحافة إلى حد كبير، أما اليوم فالجواب يشمل الإعلام والمنصات والخوارزميات والمؤثرين والذكاء الاصطناعي، بل والمستخدم himself. ولهذا تبقى مقولة ليبمان دليلاً قيّمًا لفهم العلاقة بين الإعلام والواقع: فنحن لا نتصرف دائمًا على أساس العالم كما هو، وإنما على أساس العالم كما نراه ونتصوره في أذهاننا.