الرئيسيةكتاب و آراءوائل حلّاق يعيد قراءة الشريعة من...
كتاب و آراء

وائل حلّاق يعيد قراءة الشريعة من خلال عدسة Foucault للسلطة والمعرفة

يبرز وائل حلّاق كناقد يوجه سهامه نحو المستشرقين ومنابعهم الاستعمارية، كما يقف في وجه الحداثة الغربية التي يصفها بأنها هيمنة قوة تُمارس عبر علاقات سلطة شاملة. يعتمد في كتاباته على أساليب ومضامين ومؤطّرات متنوعة لتفنيد تلك الظواهر.

الإطار الفوقي لفوكو

يستلهم حلّاق مفهوم “الخطاب” عند ميشيل فوكو، الذي يراه نتاج علاقة “السلطة والمعرفة” القادرة على إعادة تشكيل الذوات. يستند إلى هذا التمييز بين الذوات “الحداثية” و”ما قبل الحداثية”، ويجعل الحكم الأخلاقي معيارًا أوليًا لتقسيم هذه الفئات، ثم ينظر إلى نوع العلاقات بين الذوات كعامل تميّز، مستنسخًا بذلك رؤية فوكو حول تشكيل الذات.

الاستشراق وإنتاج مفهوم الشريعة

يحلل حلّاق أطروحته حول الشريعة باعتبارها أداة قوة تتحدى خطابات القوة الحداثية، ويهدف من خلالها إلى هدم إحدى منتجات الحداثة المعرفية، ألا وهي الاستشراق، عبر زعزعة مسلماته، ومنها تعريف الاستشراق للشريعة. يرى أن الاستشراق هو ثمرة معرفية للحداثة الاستعمارية الغربية، وبشكل خاص في إطار رأسماليتها وبرجوازيتها، لذا فإن كل التعريفات التي يقدمها تنبني على معرفة شكّلتها علاقات السلطة الحداثية الغربية، ومن ذلك تعريف “الشريعة” كمنظّم للعلوم المؤثرة في بناء المجتمعات الإسلامية، حيث يُنظر إليها كتشريع وطريقة حياة.

يوضح أن مفهوم الشريعة تم إنتاجه مرارًا في الحقل الاستشراقي وفق رؤى متعددة يسيطر عليها “الفاعل‑المستشرق”، الذي يعيد تشكيل الذات الخاضعة “تمثيل الآخر”، أي كل ذات تخضع لدراسة الاستشراق وتلقى هذا الخطاب الاستشراقي ومنتجاته المعرفية دون تمييز عميق يسمح بمناقضة تلك الرؤى. أول لحظة إخضاع تظهر عند التعامل مع لفظ “الشريعة” في الخطاب الاستشراقي، حيث يُسجن هذا اللفظ في سجنين: اللغة والحداثة. تقدم اللغة تصورات ومعقولات حداثية تمثل الاسمي للموضوع المدروس، فتُظهر الشريعة تارةً كقانون “law” ثم تُختزل إلى القانون التشريعي الذي لا يخدم المصالح الاستعمارية الاقتصادية، ما يدفع المستشرق لتعديل هذا القانون ليخدم مصالحه عبر معرفة تعيد تقنين الشريعة لتتناسب مع الطرح الاستعماري الحداثي، وفقًا لعلاقة معرفة تنتجها السلطة، ويتم وسم الشريعة بوسم عام يهيئ لتقليل قيمتها بأنها غير فعّالة ومعطّلة.

تشكيل الذوات والأخلاق وفق الرؤية الفوكوية

من ناحية تشكيل الذوات، يشير حلّاق إلى أن الشريعة شكّلت الذات عبر تشريعات أخلاقية إرادية، وتنبع أخلاق الذوات من هذه العلاقات التي تتطور بمرور الوقت من الأدنى إلى الأعلى. ويضيف أن الشريعة ماتت موتًا بنيويًا لأن بنيتها التي تشكل الذوات الأخلاقية، ومن ثم التشريعات الناتجة عن تفاعل اجتماعي مع النصوص، قد اختفت مع خطابات الشريعة التي اختفت. في المقابل، ينتج الخطاب الاستعماري للشريعة ذواتًا مكرهة على قبول القانون والواقع الحداثي اللذين يُفرضان كأمر يجب الخضوع له والتمثّل به، فتفقد الأخلاق قيمتها لأن swept الحداثة كان شاملاً وظلاميًا لا يمكن مقاومته بخطاب أخلاقي فقط، بل يتطلب خطاب سلطة مناقض يمهد لتشكيل خُلقية جديدة تعيد بناء الشريعة من الصفر.

النتائج والآثار

يخلص حلّاق إلى أن تعريفات “الذات” و”الأخلاق” المستقاة من الحقل السياسي‑الفكري الغربي لا تميز الإنسان في ذاته ولا تضمن دلالة أخلاقية ثابتة، بل هي عمليات تعالقيّة تهدف إلى إنتاج اجتماعي واقعي يخلق الأخلاق بدلًا من كشفها أو الكشف عن ذواتها.