الرئيسيةكتاب و آراءمعنى العطاء الحقيقي وأثره على العلاقات...
كتاب و آراء

معنى العطاء الحقيقي وأثره على العلاقات الأسرية

معنى العطاء الحقيقي

العطاء ليس دائمًا مبلغًا يُدفع أو هدية تُقدَّم أو حاجة مادية تُقضى؛ بل هناك نوعٌ من العطاء يترك أثرًا أعمق وأبقى في الذاكرة: كلمة طيبة تُقال في وقت الحاجة، سؤال صادق يُظهر الاهتمام، زيارة تُجبر خاطر من حزن، احترام يُحافظ على كرامة الشخص، موقف يأتي في حينه ينصر المظلوم، ووفاء لا يتغيّر مع مرور الأيام أو تبدُّل المصالح.

العطاء يبدأ من الأقربين

وأجمل هذا العطاء وأحقّه أن يبدأ من الأقربين ومن كانوا لهم الفضل في حياتنا؛ فهم الذين امتدت إليهم يد بيضاء، أو قدموا رعاية ومحبة واحتواء، أو وقفوا موقفًا كريمًا عندما كنا بأشد الحاجة إليهم. ويقول الله تعالى:(وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ). وتأملوا هذا التعبير القرآني العظيم: حقه؛ فبعض ما نقدمه لأقربائنا ليس تفضلاً منا، بل حق أوجبه الدين، وأكدته المروءة، وحفظته الفطرة السوية.

الجفاء المعنوي وتأثيره

والعجيب أن بعض الناس يجيدون إظهار الصورة الجميلة أمام الغرباء؛ يكونون لطيفين مع البعيد، باشرين في المجالس، كرماء في المناسبات، ثم إذا أغلقت الأبواب ظهر وجه آخر مع الأقربين! وكأن حسن الأخلاق أصبح ثوبًا يُلبس للمناسبات فقط، لا سجيةٍ يعرف بها الإنسان عند الله أولًا ثم بين أهله وأقربائه. فبأي قيمة لعطاء يذهب بعيداً بينما قريب منك ينتظر سؤالاً؟ وأي معنى للمروءة حين تجبر خواطر الآخرين وتكسر خاطر من له عليك حق؟ وأي وفاء في أن تحفظ ودّ من conociste بالأمس وتنسى من أحبك سنوات، واحتواك، وفرح لفرحك، وحزن لحزنك، وربما أعطاك من وقته وجهده وقلبه أكثر مما أعطاك من ماله؟ إن ردّ الجميل ليس فاتورة تُسدَّد، بل خلق لا يعرف قدره إلا الكرام.

وقد يبلغ الإنسان من العمر أو المرض أو الضعف مرحلة لا يريد فيها مالاً ولا ينتظر هدية، وإنما يريد أن يشعر أنه لم يصبح هامشًا في حياة من أحبهم يومًا؛ ينتظر اتصالًا يقول له: نحن نذكرك، وزيارة تقول له: مكانك باقٍ، وموقفًا يقول له: فضلك لم يسقط من ذاكرتنا وحقّنا عليك كبير. وما أقسى الجفاء حين يأتي ممن كان يُنتظر منهم الوفاء! بل إن الحرمان المعنوي قد يكون أشد إيلامًا من الحرمان المادي؛ فالمحتاج إلى المال قد يجد من يعطيه، أما من احتاج إلى مودة أهله وجد منهم جفاءً، فمن يعوضه؟ ومن يرمم قلبًا كسره من كان ينتظر منهم أن يكونوا أول من يجبره؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: على التواصل مع الأقرباء وذوي الرحم؛ فالرحم ليست علاقة مزاجية نصلها حين نرضى ونهجرها حين نغضب، ولا حقاً يسقط حين نستغني عمن احتجنا إليهم يوماً ولم يخذلونا أبداً. والإساءة ليست دائماً كلمة جارحة أو صوتاً مرتفعاً؛ أحيانًا يكون التجاهل إساءة، والغياب وقت الحاجة إساءة، ونكران الجميل إساءة، والتقليل من قدر الكبير إساءة، وأن يرى الإنسان الوفاء يُبذل للبعيد بينما يُحرم منه أهل الحق والفضل؛ فتلك إساءة لا يسمع الناس صوتها، ولكن يسمعها القلب جيداً. وهنا يصبح السؤال أكثر إيلامًا من أي عتاب: تُرى ماذا أبقيت في قلوب أهلك عنك؟

ختامٌ ودعوة للوفاء

والإنسان في النهاية سيرة تمشي بين الناس، وذكرى تستقر في القلوب. قد يملك المال والجاه والحضور، ثم لا يترك في قلب قريب له إلا غصة! وقد يكون قليل ذات اليد، لكنه يترك وراءه قلوباً تدعو له؛ لأنه كان باراً، وفياً، رحيماً، حافظاً للجميل. والأيام تدور؛ القوي يضعف، والصغير يكبر، والمستغني قد يحتاج، ومن يزرع الجفاء لا ينبغي أن يدهشه أن يجده يوماً على أبواب قلبه. فلا تؤجلوا الوفاء. بعض الزيارات تأتي بعد أن يخلو المكان، وبعض الاعتذارات تأتي بعد أن يفقد الاعتذار معناه، وبعض كلمات الحب والشكر تُقال بعد الرحيل، وكان أصحابها أحوج إليها وهم بيننا. قدّم شيئاً تُذكر به؛ ولو كان سؤالاً، أو زيارة، أو كلمة وفاء، أو جبراً لخاطر، أو اعترافاً بفضل. فالله يكتب مانقدم !!

فالعمر أقصر من أن نترك وراءنا قلوباً مكسورة بسببنا، وأجمل ما يمكن أن يبقى من الإنسان بعده أن يقال: مرّ من هنا… وكان جميلاً في حياة أهله؛ كان له حضور بالخير وارفاً . ودمتم بخير (اللهم زد بلادنا عزاً ومجداً ونصراً وتأييداً وزدنا بها عشقاً وفخراً ولها عوناً). قدم شيئاً تذكر به