تحول الأخلاق من الصلبة إلى السائلة في عصر المحتوى الرقمي

نستقبل يومياً تدفقاً هائلاً من المواد الرقمية عبر شبكات التواصل، نبحث فيها عن العلم، والأخبار، والترفيه، والتواصل، وأحياناً نملأ الفراغ بمشاهدة ما يمر أمامنا دون هدف واضح. ورغم أن هذه الأنشطة مشروعة ومتاحة، فإن هناك خطراً خفياً يكمن في способها لتغيير مبادينا الأخلاقية من ثابتة إلى متقلبة.
ظاهرة السيولة الأخلاقية
تُقصد بالسيولة الأخلاقية تحول القيم والمبادئ الراسخة من حالة الثبات إلى حالة عدم الاستقرار، فتتأثر بالمصلحة الشخصية، بالمنفعة، بالموضة، وبالضغوط الاجتماعية، لتصبح الأخلاق مجرد خيارات مؤقتة تُعاد صياغتها لتتلاءم مع رغبات الفرد.
أمثلة ملموسة من الحياة الرقمية
أولاً، نلاحظ أن كثير من المقاطع التي تُصنف على أنها مزاح تنتشر بسرعة الضوء عبر الإشارات الكهرومغناطيسية والفوتونات؛ في الواقع هذه المقاطع غالباً ما تكون سخرية أو تنمراً يهدف أصحابها إلى زيادة التفاعل والمشاهدات. ثانياً، الاتجاهات اليومية التي تنتشر كالبرق تُشكل انتهاكاً للخصوصية وتستدعي عقلية القطيع، حيث يُتنازل عن المبادئ لمجرد الانضمام إلى الموجة وتجنب الشعور بالإقصاء. ثالثاً، التساهل مع الألفاظ البذيئة بحجة أن مؤثراً ما يستخدمها لا يجعلها مقبولة؛ فالفاظ البذيئة تبقى بذيئة ولا تنتمي إلى دائرة الأخلاق. رابعاً، عندما يعتاد المشاهد على مشاهدة محتوى غير لائق يتكرر، يبدأ يراه لائقاً رغم أن حكمه الأخلاقي لا يتغير ويبقى ثابتاً. خامساً، الكذب الذي يُمرَّر لتحقيق مكسب يبقى كذباً ولا مبرر له مهما كانت الفوائد. سادساً، يُقَدَّم التافهون والمنحرفون أخلاقياً كنماذج للاقتداء بسبب شهرتهم وثروتهم، بينما الرموز الأبوية والدينية والفكرية هي القدوة الصالحة.
كيف نحافظ على ثبات القيم؟
الشخص الفطن يلاحظ كل هذه الظواهر ولا يرضى بها، فيحافظ على أخلاقه الثابتة التي يغذيها الصبر والجدية، ويحاط بها الصدق والأمانة، وتوجهه سلوكيات متزنة لا تنجر وراء الضغوط. المحتوى الهابط يعمل كمذيب كيميائي للأخلاق الصلبة، يحولها إلى سائلة تتغير مع كل تحديث في حياة الناس. apesar من أننا لا نستطيع عزل أنفسنا بالكامل عن هذا البيئة، فإننا نمتلك القدرة على التمييز والاختيار بفضل عقولنا الواعية وقيمنا الراسخة، ما يساعدنا على مقاومة الإغراءات واتخاذ قرارات سليمة.
ويقول عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان، صاحب نظرية الحداثة السائلة: «في عالم السيولة، لا توجد قيم صلبة نتمسك بها، بل تصبح الأخلاق مجرد خيارات مؤقتة يُعاد تفصيلها لتناسب الرغبات الفردية».
لذلك، فإن الوعي والاختيار الواعي هما السبيل الوحيد لحماية أخلاقنا من الانسياب في تيار السيولة التي تفرضها البيئة الرقمية.



