تحليل حكاية «سبحونة» وفق منهج فلاديمير بروب: رحلة البطلة جوزاء بين الحصان الجني وآكل البشر

نعرض في هذا التحليل الموجز حكاية «سبحونة»، وهي أولى الحكايات الواردة في كتاب «أساطير من قلب جزيرة العرب»، وذلك وفق منهج فلاديمير بروب المعروف باسم مورفولوجيا الحكاية الخرافية. يعتمد هذا المنهج على تحليل الشخصيات وتحديد طبيعتها من خلال الوظائف التي تؤديها والأدوار التي تتقمصها.
الشخصيات: الأدوار والوظائف
البطل: تدور الحكاية حول البطلة «جوزاء» التي تشكل محور الأحداث جميعها. فهي حاضرة في كل مشاهد الحكاية باستثناء مشهد واحد حين أرسلت جاريتها لاستقاء النار من الشرير الثاني «الرجل آكل لحوم البشر».
الشرير/المعتدي: يتوزع دور الشرير على شخصيتين. الأولى هي «الحصان خضير» الذي ليس حصاناً عادياً بل جني تجسد في هيئة حصان من لحم ودم. لا توضح الحكاية سبب تحوله: هل كان عشقاً لجوزاء كما تروي بأنه «حصان أخيها متجنساً (أي جني في شكل حصان) وكان يحب جوزاء حباً عظيماً»؟ أم أنه تحول إلى حصان لسبب ما ثم رأى جوزاء وعشقها؟ حتى بعد مطاردته لها وقتلها له وأكلها من لحمه لم يعد إلى صورته الجنية. يؤدي هذا الشرير وظائف أساسية هي التهديد والمطاردة وزعزعة الاستقرار الذي كانت تعيشه جوزاء في كنف أخيها، مما دفعها للرحيل. الشخصية الشريرة الثانية هي «آكل لحوم البشر» الذي قتل الخادمة «سعيدة»، وسلخ جلدها وأكلها، ثم تمكنت جوزاء بحيلة منها من قتله. يمثل هذا المعتدي الثاني المرحلة الثانية من الابتلاء في هروب جوزاء من المعتدي الأول.
المساعد: لم يقم بهذا الدور شخصية واحدة بل توزع على شخصيات عديدة وأدوات. من أبرزهم أخو جوزاء الذي اكتشف خطر الحصان خضير مبكراً، فطلب من أخته ألا تخرج من غرفتها العلوية وأن لا يراها الحصان، وجعل في خدمتها مساعدين. عندما بطلت هذه الحيلة طلب منها الهروب ووعد بتأخير الحصان قدر الإمكان. الأداة الأخرى المساعدة هي الشجرة التي تعمل بوصفها فاعلاً غير إنساني عند غريماس؛ قصَّرت نفسها لتتمكن جوزاء وسعيدة من الصعود عليها ثم أطالتها لترتفع فتحميهما من هجوم الحصان. كذلك المقص الذي كان سبب الخلاص من الشرير الأول. وذكاء جوزاء نفسه يُعد مساعداً آخر، فلولا تدبيرها لما استطاعت التخلص من آكل لحوم البشر.
المانح: لا تقدم الحكاية شخصية مانحة تقليدية بالمفهوم المورفولوجي. أهم مانح لجوزاء هو تجربتها الشخصية في الهروب من الحصان خضير، التي أكسبتها خبرة مكنتها من قتله بأربع محاولات وهي فوق الشجرة، ثم قتل آكل لحوم البشر بحيلة وذكاء، ثم اهتداؤها لارتداء جلد خادمتها سعيدة الذي سلخه آكل البشر لحماية نفسها في الصحراء، وحيلتها بالدخول إلى البستان والاختفاء. مانح آخر هو أخوها الذي منحها الحماية في البداية ووسيلة النجاة وخادمة تعينها؛ وقد ضحت الخادمة بنفسها حين طلبت ناراً من آكل البشر. كما أن الشجرة مانح لأنها منحتها الحماية بالارتفاع السحري. والمقص هو مانح أخير أداة سحرية قتلت الحصان.
المعاون/الرفيق: تقوم بهذا الدور الجارية «سعيدة» التي رافقت جوزاء في الرحلة، لكنها لم تكن بطلاً موازياً بل رفيقة ومساعدة، وانتهى بها الأمر ضحية للشرير الثاني آكل لحوم البشر.
الأمير/الزوج: في نهاية الحكاية، عندما تدخل جوزاء البستان وتختفي، يكتشف وجودها صاحب البستان الثري، فيقرر الزواج منها لتنتهي الحكاية بالاستقرار من جديد.
الوظائف السردية
الوظائف الواحدة والثلاثون التي حددها فلاديمير بروب في مورفولوجيا الحكاية تمثل خطاطة كلية جامعة لجميع الوظائف التي صادفها في قصص شعبية عديدة، مما يعني أنها لا تتوفر بالضرورة في كل قصة، ويختلف عددها مع حضور مطلق لوظائف رئيسية مثل الخرق والنهي، الشر والإضرار، والفعل المضاد. إليك أبرز الوظائف السردية في حكاية «حصان أخوي خضير»:
الحالة الابتدائية: تبدأ القصة بحالة استقرار ونعمة تعيشها جوزاء في منزل أخيها الثري، محاطة بالخدم متوفرة لها كل سبل الراحة.
التحذير: يحذرها أخوها من هيجان الحصان خضير كلما رآها. الأخ لا يستطيع التخلص من الحصان لقوته وفوزه في كل السباقات، فيقرر إبعاد أخته إلى أعلى المنزل وألا تنزل منه لئلا يراها الحصان ويهيج مما قد يودي بحياتها.
الخرق والنهي: تخرق جوزاء أمر أخيها دون قصد عندما تضرب أرضية غرفتها فينهار السقف، فيرى الحصان خضير من خلال الفتحة فيهيج هيجاناً لا يستطيع أخوها تهدئته، مما يؤدي إلى الوظيفة الرابعة.
الشر والإضرار: بعد ظهور جوزاء للحصان خضير يبدأ هيجاناً عنيفاً، فيعلم أخوها أنها هالكة إن بقيت في القصر، ويطلب منها الهرب مع الجارية سعيدة.
الوساطة وتبليغ الكارثة: يبلغها أخوها بضرورة الرحيل لأنه لا يستطيع تهدئة الحصان أو قتله، فتبدأ وظيفة بدء الفعل المضاد.
بدء الفعل المضاد: تنفذ جوزاء طلب أخيها بالهروب مع الخادمة، وتحمل معها ما يعينها في الرحلة ومن ضمنه المقص السحري دون علمها بأنه سيكون أداة النجاة. هذا قبول بالمهمة.
الرحيل: ترحل جوزاء وجاريتها هرباً من الحصان خضير، وتعتبر هذه الرحلة أبرز الوظائف المورفولوجية في النص.
المطاردة: يطارد الحصان خضير جوزاء ورفيقتها في الصحراء حتى تلجأان إلى الشجرة السحرية للإنقاذ المؤقت.
الإنقاذ المؤقت: تلجأان إلى الشجرة السحرية، فتنخفض لهما ثم تعلو بناءً على نطق جوزاء بكلمات محددة.
الحصول على الأداة السحرية الحاسمة: بعد ثلاث محاولات فاشلة تقتل جوزاء الحصان خضير برمي المقص السحري في جوفه، فيقطعه من الداخل ويقتله، فتنتهي المحنة الأولى وتبدأ محنة الضياع في الصحراء.
الانتقال إلى محنة أخرى: بعد القضاء على الحصان تضيع المرأتان في الصحراء حتى تقعان في محنة آكل لحوم البشر، الشرير الثاني الذي يقتل سعيدة ويسلخ جلدها. تخلص جوزاء نفسها بذكائها وحيلة مضادة، ثم تتجول وحيدة في الصحراء بعد فقدان رفيقتها. جلد سعيدة الذي تلبسه جوزاء يصبح أداة سحرية تحميها طوال الضياع حتى تصل إلى البستان.
التنكر والعبور: ترتدي جوزاء جلد جاريتها سعيدة بالكامل فتصبح متخفية، وهذا يعادل التحول المؤقت السحري في الحكايات العجيبة.
الوصول إلى الفضاء الخصب: بعد أيام من السفر في الصحراء متخفية تصل جوزاء إلى البستان، وتخلع جلد الجارية، وتستحم وترتدي ملابسها.
الاختفاء ثم الانكشاف: تختبئ جوزاء في منزل البستان وتأكل نصف طعام صاحبه كل يوم، فيشعر بالنقص ويراقب المكان حتى يكتشفها.
التعرف والقبول: يكشفها صاحب البستان ويسألها من هي، هل هي من الإنس أم الجن؟ بعد أن يتعرف عليها ويسمع قصتها وما جرى لها يطلب الزواج منها.
الزواج والاستقرار والمكافأة: توافق جوزاء ويرضيان الزواج، فيذهب بها إلى قاضي مدينتهم لإتمام العقد الشرعي لأنها بلا ولي. تنتهي الحكاية بالنهاية السعيدة بزواج الأميرة الثرية من صاحب البستان الثري وعيشها في سعادة.
خاتمة: أهمية المقاربة المورفولوجية
تكمن أهمية المقاربة المورفولوجية، التي كانت أحد الإرهاصات الأساسية للنظرية البنيوية، في أنها تقوم على مجموعة من الوظائف المترابطة بدءاً ونهايةً، تؤدي في إطار الحكايات الشعبية والأساطير التراثية إلى ما نسميه بالنهايات السعيدة، مروراً بنصيب وافر من اللامعقول الذي تجسده الوظيفة السحرية، كما هو الحال في كثير من قصص «أساطير من قلب جزيرة العرب». الحكايات الشعبية في هذا الكتاب تميزت بأبعاد إنسانية تحمل إرثاً فكرياً حضارياً؛ ربما اختلفنا معه في هذا الزمن لكنه في زمن نشأته وصناعته كان يحظى بقبول فكري واجتماعي، مما يعطينا تصوراً وإدراكاً كاملاً لطبيعة الحياة الإنسانية من حضارة وثقافة لإنسان قلب جزيرة العربية – المملكة العربية السعودية – في حقبة زمنية محددة.



