المملكة تفتح أبواب المدارس الحكومية أمام الأطفال السودانيين المقيمين والزائرين

مبادرة التعليم للسودانيين
قد تسلب الحرب من الطفل مسكنه وتفقده الوجوه والأماكن المألوفة وتلقيه في مدينة غريبة، وأقسى ما تفعله أن تقطع صله بمستقبله. لذلك فإن رؤية طفل سوداني يحمل حقيبته متجهاً إلى مدرسة سعودية تعني أكثر من مجرد خبر قبول دراسي؛ إنها باب للمستقبل فتحته المملكة أمام جيل أغلقت الحرب وراءه العديد من الأبواب.
الجذور التاريخية للعلاقة
منذ اندلاع النزاع في السودان فرت أسر كثيرة تحمل ما استطاعت من متاعها ووصلت بعض العائلات إلى المملكة بعد رحلة استنزفت قدرتها على التحمل. وبعد securing السكن والأمان أصبح سؤال الآباء عن مصير الأبناء وتعليمهم هو الأثقل، فجاءت إتاحة الفرصة لأبناء السودانيين المقيمين والزائرين للالتحاق بالتعليم الحكومي لتُعطي هذه الأسر شيئاً من الطمأنية وتحفظ لأطفالها أعمارهم من أن تصبح امتداداً لخسائر الحرب.
ويعرف قيمة هذا الأمر كل أب وأم جرّبا أن يبقى الطفل شهوراً بعيداً عن فصله وكتبه وأقرانه؛ ففي أوقات الحرب تصبح المدرسة علامة على أن الحياة ما زالت قادرة على استعادة إيقاعها، وأن الطفل يستطيع أن يبدأ صباحه بين زملائه وكتبه، وأن يحتفظ بسنة من عمره بعيداً عن حسابات البنادق وخلافات الكبار.
العلاقات العميقة والآثار المستقبلية
وللسودانيين مع المملكة قصة أقدم من هذه الحرب؛ فقد عاشوا فيها عقوداً طويلة، وعملوا في مدارسها ومستشفياتها وجامعاتها ومؤسساتها، وربوا أبناءهم بين أهلها، ونشأت بينهم وبين المجتمع السعودي صلات راسخة صنعت سنوات العمل والجوار والمودة. ولهذا وجد السوداني الذي قصد المملكة هرباً من الحرب أرضاً يعرف شيئاً من وجوهها وأخلاق أهلها، ووجد قبله أهلاً وأصدقاء وذكريات طويلة.
ومن هنا تكتسب مسألة تعليم الأبناء معناها الأبعد؛ فالمقعد الذي يجلس عليه طفل سوداني اليوم يحفظ له جزءاً من انتظام الحياة الذي بعثرته الحرب، وقد يعود هذا الطفل بعد أعوام إلى السودان طبيباً أو مهندساً أو معلماً أو باحثاً، يشارك في بناء بلد سيكون في حاجة كبيرة إلى العلم والمعرفة، وسيحمل في ذاكرته أن سنوات الحرب تركت له طريقاً مفتوحاً نحو المدرسة.
وقد ظلت المملكة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، قريبة من السودان في مواقفه الصعبة، حاضرة في مساراته السياسية والإنسانية والإغاثية، ويجيء هذا الموقف من التعليم في السياق نفسه، وله وقع خاص لأن أثره يمتد مع الطفل عاماً بعد عام، حتى يصبح رجلاً أو امرأة يحملان أثر تلك الفرصة في حياتهما.
أما الشعب السعودي، فله عند السودانيين مكان صنعته المعاشرة الطويلة، فقد عرفوا منه في سنوات إقامتهم أبواباً مفتوحة وصداقات صادقة ومواقف تحفظها البيوت قبل الصحف، ولهذا يبدو ما يجري اليوم امتداداً طبيعياً لعلاقة شعبين جمع بينهما البحر الأحمر، وصارت المسافة بين الخرطوم والرياض وجدة أقصر مما ترسمه الخرائط.
وسيأتي يوم تهدأ فيه الحرب، ويعود كثير من هؤلاء الأطفال إلى السودان وقد كبروا قليلاً وتغيرت ملامحهم، وسيحملون معهم ذكرى مدرسة فتحت لهم أبوابها في زمن ضاقت فيه السبل على أهلهم، وعندها ستبقى للمملكة في ذاكرتهم جملة واحدة تكفي عن كثير من الكلام، أنكم في أشد أيامنا حفظتم لأبنائنا عامهم الدراسي، وحفظتم للسودان شيئاً من غده.



