السمنة: أسبابها، مخاطرها، وسبل التغلب عليها

أسباب السمنة والحلول الأولية
شكا أحد معارفه من زيادة وزن مستمرة رغم وجود آلاف المصادر المعلوماتية على منصات التواصل وسهولة الوصول إلى متخصصي علاج السمنة؛ لكنه يفضّل استشارة من جرب التجربة بدلاً من اللجوء إلى الطبيب، معتبراً نفسه من «المحاربين القدامى» في مجال السمنة، وقد جرّب العديد من البرامج الغذائية وتعمّق في الثقافة الصحية بحثاً عن حلول حقيقية لا مجرد حلول سطحية.
الجراحة كحل أخير والفرق بين الاختيار والإلزام
نصح صاحبه بالبحث أولًا عن الإرادة إذا كان سبب زيادة الوزن هو الإفراط في الأكل والشرب مع ميل إلى الكسل وقلة الحركة؛ والحديث هنا ليس عن السمنة الناتجة عن عوامل مرضية أو دوائية أو وراثية، بل عن تلك التي نصنعها بأيدينا حين نستهلك أكثر مما نحتاج ونبذل أقل من اللازم من النشاط.
المعرفة اليوم ليست العائق؛ فهناك برامج لا حصر لها للمحافظة على الوزن، والمتخصصون في متناول اليد، ومعظم الناس يدرك أن الإفراط في الطعام coupled مع الخمول يؤدي إلى زيادة الوزن، ومع ذلك نعرف ولا ننفّذ، نبدأ ولا نستمر، حتى يصبح الكيلو الزائد عشرة ثم عشرين، ثم نبحث عن حلول سريعة لمشكلة تراكمت ببطء.
عندما تتراكم الكيلوغرامات قد يلجأ البعض إلى عمليات التكميم بعد فشل محاولات إنقاص الوزن؛ وتتبدل الصورة بعد العملية: يصبح الالتزام بنظام غذائي صارم يبدأ بالسوائل ثم يتدرج إلى أطعمة محدودة مع تعليمات غذائية صارمة لا مجال للتساهل فيها. والمفارقة أن هذا الانضباط الذي يفرض بعد الجراحة كان يمكن اختياره مسبقاً في الحالات التي تنتج عن الشهية وقلة الحركة، عبر الاعتدال في الطعام والشراب والنشاط المنتظم، قبل الوصول إلى منعطف جراحي يحمل تبعات صحية ونفسية ومالية.
العواقب الصحية والاجتماعية والوصية النبوية
يعيدنا ذلك إلى وصية نبوية جامعة سبقت كل برامج الحمية؛ إذ يقول النبي ﷺ: «ما ملأ آدمي وعاءً شرًّا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسه». فلو استقامت علاقتنا بالطعام وفق هذا التقسيم لما احتاج كثير منا إلى خوض معارك طويلة للتحرر من معتقل السمنة.
الحقيقة أن السمنة لا تأتي منفردة؛ بل قد تجر خلفها السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب والشرايين والسكتات الدماغية، وخشونة المفاصل واضطرابات الجهاز العضلي والهيكلي، إضافة إلى زيادة خطر الإصابة بعدد من أنواع السرطان.
وثمة خسائر لا تظهر في التحاليل؛ فبطء الحركة يزداد مع زيادة الوزن، وكلما ازداد الحمل على الركبتين والقدمين والظهر تتحول تفاصيل يومية بسيطة إلى أعمال شاقة: صعود الدرج، والمشي، وربط الحذاء، والنهوض من الأرض، واللعب مع الأطفال. وهنا تبدأ حلقة مفرغة: الوزن الزائد يقلل الحركة، وقلة الحركة تضيف وزناً جديداً.
وللسمنة ضريبة اجتماعية أيضًا؛ فقد يشعر البدين بالحرج عند ممارسة الرياضة أمام الآخرين، أو عند الجلوس في مقعد ضيق، أو أثناء ركوب الطائرة، أو عند البحث عن مقاسه في متاجر الملابس، وربما يتجنب بعض المناسبات والأنشطة بسبب وزنه.
الطريق إلى نمط حياة مستدام
إلى هنا أقول لصاحبنا ولكل من يعيش معاناته: لا تبحث عن حمية تتحملها شهرًا فقط، بل عن نمط حياة يمكنك الاستمرار عليه لسنوات؛ ولا تجعل هدفك خسارة عشرين كيلوغرامًا بأسرع وقت، بل اجعل هدفك الانتصار كل يوم على عادة صغيرة ساهمت في زيادة وزنك.
غالبًا ما نعرف ما يزيد أوزاننا وما ينبغي فعله، وربما نحفظ من نصائح الحمية أكثر مما يحفظ غيرنا؛ لكن المعرفة تخبرنا بالطريق، والإرادة هي التي تجعلنا نسلكه.
لهذا تظل السمنة «همًّا زايدًا» بالمعنى الحرفي والمجازي: وزنًا زائدًا يحمله الجسد، وهمًّا زائدًا قد يحمله صاحبه أينما ذهب.



