ظاهرة خطيرة: منح الثقة لأصحاب الشهرة على حساب أهل الاختصاص

في الأزمنة الماضية، كان الناس يتجهون إلى العالم ليسألوه، وإلى الطبيب ليستشيروه، وإلى المعلم ليتعلموا منه. لكن الواقع اليوم تغير، فأصبح البعض يبحثون فقط عن من يملك أكبر عدد من المتابعين، حتى وإن كان يفتقر إلى العلم ولا يمتلك سوى حسن الإلقاء وجاذبية الحضور.
تضخم الثقة على حساب الكفاءة
أفرزت وسائل التواصل الاجتماعي ظاهرة خطيرة تتمثل في تضخم الثقة مقابل تراجع الكفاءة. فقد بات أي شخص قادرًا على التحول إلى مرجع في شتى المجالات؛ يُفتي في الدين، ويشخص الأمراض، ويعالج المشكلات الأسرية، ويحلل الاقتصاد، ويضع الخطط الإدارية، ويقترح الحلول السياسية، وكأن سنوات الدراسة والخبرة والبحث العلمي مجرد تفاصيل لا قيمة لها. والأكثر خطورة أن بعض هؤلاء لا يترددون في ارتداء عباءة الشيخ عند الحاجة، فيُصدرون الأحكام الشرعية، ويُحللون ويُحرّمون، ويُفتون في قضايا تمس عقائد الناس وعباداتهم، دون علم راسخ أو تأهيل شرعي. وكأن العلم الشرعي الذي أفنى العلماء أعمارهم في تحصيله يمكن اختزاله في مقطع مصور أو منشور لا يتجاوز بضعة أسطر.
التصدر قبل التأهل: خطر مجتمعي
إن التصدر قبل التأهل ليس مجرد خطأ فردي، بل هو خطر يهدد المجتمع بأسره. فالكلمة الخاطئة قد تفسد أسرة، والفتوى غير المنضبطة قد تربك دين الناس، والنصيحة الطبية المضللة قد تُزهق روحًا، والتوصية المالية العابرة قد تبدد مدخرات سنوات. والمؤسف أن البعض لم يعد يسأل: من قال؟ بل يسأل: كم عدد متابعيه؟ وكأن الحقيقة تُقاس بالمشاهدات، والعلم يقاس بالإعجابات، والمصداقية تُمنح بخوارزميات المنصات.
الفرق بين الرأي الشخصي والإرشاد
لست ضد حرية التعبير، ولا ضد مشاركة التجارب الشخصية، فلكل إنسان الحق في رواية تجربته وعرض رأيه. لكن هناك فرقًا شاسعًا بين أن تروي تجربتك وبين أن توجه الناس وترشدهم لمجرد رأي شخصي؛ فالرأي الشخصي ليس فتوى، والتجربة الفردية ليست قاعدة عامة، والشهرة ليست شهادة علمية.
لقد أصبحنا نعيش في زمن اختلطت فيه الأصوات حتى كادت تغطي على أهل الاختصاص. وأصبح العالم الحقيقي ينافس من لا يملك إلا مهارة صناعة المحتوى، وأصبح المتلقي هو الضحية، يتنقل بين النصائح والآراء والادعاءات دون أن يجد معيارًا يميز به الصحيح من الزائف.
المسؤولية المجتمعية واحترام التخصص
والمسؤولية هنا لا تقع على صناع المحتوى وحدهم، بل على المجتمع أيضًا. فمن يمنح غير المؤهل سلطة التأثير، ويستبدل المختص بالمشهور، يشارك من حيث لا يشعر في صناعة الفوضى المعرفية. يبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه كل واحد منا قبل أن يصدق أو ينشر أو يعمل بأي نصيحة: هل المتحدث مؤهل فعلًا؟ فإن كان الجواب لا، فالأولى أن نُحسن الاستماع إلى أهل العلم والخبرة، لا إلى كل من امتلك كاميرا وأتقن الحديث وأحسن تسويق نفسه.
فالمجتمعات لا تنهض بكثرة المتحدثين، وإنما تنهض حين تعرف لكل علم أهله، ولكل مهنة أهلها، ولكل فتوى أهلها. وما لم نستعد احترام التخصص، فسيظل كل من هب ودب ينصح ويوجه ويرشد، بينما يدفع المجتمع ثمن ذلك. وكلنا في خدمة الوطن.



