الرئيسيةكتاب و آراءخدعة التحريض على الرحيل: من النقد...
كتاب و آراء

خدعة التحريض على الرحيل: من النقد إلى كراهية الوطن

خدعوك فقالوا لك: “ارحل”. هكذا يبدأ الخداع، ليس بدعوة صريحة، بل بخطوات متدرجة تعيد تشكيل نظرتك إلى وطنك. فالوطن ليس مجرد فكرة، بل هو الحياة التي نعيشها يومياً: هواء نتنفسه، شوارع نمشي فيها، ذكريات تشكلت معنا، ووجوه وأماكن شهدت خطواتنا الأولى. لكن حين يتدخل طرف آخر لا يعيش تفاصيلنا ولا يشاركنا مشاعرنا، يحاول أن يغير علاقتنا بالمكان الذي ولدنا فيه.

كيف تبدأ عملية التحريض؟

لا يبدأ التحريض بدعوة مباشرة إلى الرحيل، بل يبدأ بخطوة تجعلك تنظر إلى وطنك بعين غيرك. يلتقط المحرض موقفاً لم يعجبك، أو تجربة أزعجتك، أو قرار اختلفت معه – وهي أمور طبيعية في حياة كل إنسان – ثم يعيد تقديمها بصورة مغايرة. يذكرك بما أغضبك، ويكرر أمامك ما يزعجك، ويضخم الأخطاء حتى تضيق صورتك ولا ترى إلا الجانب الذي يريده هو.

ومع الوقت، يتغير شيء في داخلك: ما كنت تراه خطأً يمكن إصلاحه يصبح دليلاً على أن كل شيء خاطئ. وما كنت تختلف معه يتحول إلى سبب للنقمة. وما كان موقفاً عارضاً يصبح رواية كاملة عن وطنك. وهنا تبدأ أخطر مراحل التحريض: من النقد إلى النقمة، ومن النقمة إلى الكراهية.

من النقد إلى الكراهية: تسلل الخداع

المحرض لا يقول لك في البداية: “اكره وطنك”، فهو أكثر خبثاً من ذلك. يبدأ بسؤال، ثم قصة، ثم موقف، ثم مقطع، ثم حديث عن كل ما هو سلبي. يعرف أن الكراهية لا تأتي دفعة واحدة، بل تتسلل بالتدريج: فكرة بعد فكرة، وموقفاً بعد موقف، حتى يأتي اليوم الذي تنظر فيه إلى وطنك فلا ترى إلا الصورة التي رسمها لك.

خدعوك فقالوا: إن مشكلتك ليست في موقف محدد يمكن مناقشته، ولا في قرار يمكن تغييره، بل في وطنك كله. قالوا: لا شيء سيتغير، وإنك لن تجد مستقبلك إلا بعيداً عن وطنك. ومع التكرار، تتغير علاقتك بوطنك دون أن تشعر. ما كنت تراه خطأً أصبح في عينيك عيباً لا يُغتفر، وما كنت تختلف معه أصبح سبباً للكراهية. ثم عندما أصبحت ناقماً، أتت اللحظة التي يريدون الوصول إليها منذ البداية: قدموا لك الرحيل باعتباره الحل.

المفارقة: من يدفع الثمن؟

هنا تكمن خطورة التحريض: المحرض لا يريد منك أن تفكر بعقلانية، ولا أن ترى الصورة كاملة. يريدك أن تكون غاضباً، لأن الغاضب يسهل التأثير عليه. وبمرور الوقت، يصبح الوطن في ذهنك مجموعة من الأخطاء، وتختفي من الذاكرة كل الأشياء الجميلة التي جعلتك تحبه يوماً. تنسى بيتك، أهلك، أصدقاءك، سنواتك الأولى. تنسى أنك كنت جزءاً من هذا المكان قبل أن يأتي شخص يعيش بعيداً عنه ليخبرك كيف يجب أن تشعر تجاهه.

وهنا تكمن المفارقة: بعض من يدفعونك إلى الرحيل يعيشون بعيداً عن وطنك. يتحدثون عن حياتك من خلف شاشة، ويقدمون لك نصائح من دون أن يعيشوا يوماً واحداً من تبعاتها. لا يحملون عنك حقيبة الغربة، ولا يشتاقون إلى أهلك بدلاً منك، ولا يقفون معك عندما تكتشف أن الحياة التي وُعدت بها ليست كما تخيلتها. قد يقول لك أحدهم: “ستبدأ حياة جديدة”، لكن من سيدفع ثمن هذه البداية هو أنت. أما هو، فقد ينتقل إلى قصة أخرى وضحية أخرى، بينما تبقى أنت وحدك أمام قرارك.

الخلاص: من المستفيد من كراهيتك لوطنك؟

خدعوك فقالوا: إن كراهية وطنك وعي، وإن الرحيل خلاص. لكنهم لم يقولوا لك: إن الإنسان يحمل وطنه معه أينما ذهب؛ في ذاكرته، ولغته، وعاداته، وفي حنينه إلى تفاصيل لم يكن يعرف قيمتها إلا بعد أن ابتعد عنها. لذلك، اختلف كما تشاء، وانتقد كما تشاء، لكن لا تسمح لأحد أن يحول غضبك إلى نقمة، أو اختلافك إلى كراهية، ولا تجعل شخصاً يعيش بعيداً عن وطنك يقرر لك ماذا يعني هذا الوطن.

فالوطن يحتاج إلى أبنائه حين يختلفون، وحين ينتقدون، وحين يصلحون. لكنه لا يحتاج إليهم حين يتحول الغضب إلى كراهية. وأخيراً يبقى السؤال الذي كان يجب أن يطرح منذ البداية: من المستفيد من أن تكره وطنك؟ فإذا عرفت الإجابة، عرفت لماذا قالوا لك: “ارحل”.