النقد الفني في مصر: ازدواجية في تقبل الإشادة والرفض

انتهت مؤخراً الأزمة المفتعلة بين نقيب الموسيقيين المصريين والناقد الفني المعروف طارق الشناوي، بعد أن تدخل الوسطاء وأصحاب الشأن لتهدئة الأوضاع. لكن هذه الواقعة أثارت مجدداً تساؤلات جوهرية حول علاقة الوسط الفني بالنقد، وكيفية تعامل صناع الفن مع من يكتب عنهم.
أسئلة حول تقبل النقد
يبرز سؤال رئيسي: إلى أي مدى يمكن أن يكون النقد حاداً وقاسياً؟ وهل المجتمع الفني بطبيعته يتقبل النقد بصدر رحب، بحثاً عن النصح بين السطور، أم أن التركيبة النفسية والعصبية للبعض ترفض أي توجيه أو نصيحة؟ وهل بلغ الوعي درجة تجعل الفنان يدرك أن مجرد الكتابة عنه – سلباً أو إيجاباً – هي اعتراف ضمني بوجوده وتأثيره، وأن تغييبه عن المشهد الإعلامي عقوبة قاسية، خاصة في عصر تحمل عقول الناس فيه “ذاكرة مثقوبة” تحفظ الأسماء بسرعة وتنساها بأسرع؟ وهل هناك من يستفيد مما يكتب عنه، فيجادل بعضهم بحب ويختلف مع آخرين بود، سعياً لترسيخ رؤيته وإقناع الآخرين بها؟
تجربة شخصية مع النقد الفني
من خلال تجربة طويلة في الصحافة الفنية، رصد الكاتب بعض الظواهر اللافتة في هذه الأزمة المفاهيمية. أولاً: إذا أشاد بفنان في أغنية معينة، ووصف كلماتها بالرصينة ولحنها الآسر وأداءها الجمالي، فإنه يتلقى اتصالاً هاتفياً شاكراً من ذلك الفنان منذ الصباح الباكر، يثني فيه على فهمه العميق وثقافته الفنية “الخطيرة” ورؤيته الفريدة، ويغدق عليه عبارات الثناء في كل جلسة. أما إذا انتقد ذات الفنان في أغنية أخرى، ووصف كلماتها بالركيكة واللحن بالعادي والأداء بالفاتر، فإن الفنان لا يعود للاستماع إلى الأغنية ليتحقق من صحة الرأي، بل يبدأ في التشكيك بمهنية الناقد، ويتهمه بالبحث عن الظهور، ويحاول “شيل حسه” في أي جلسة، متناسياً تماماً ثناءه السابق بفعل “الذاكرة المثقوبة”.
إشكاليات إضافية في الوسط الفني
ثانياً: كثير من المشتغلين بالفنون يوجهون نقدهم إلى كاتب النقد شخصياً بدلاً من التعامل مع النقد المكتوب نفسه، وهذه إشكالية أخرى. ثالثاً: الأقلام التي تدخل الصحافة من أبواب خلفية دون رقابة مهنية لا تعمر طويلاً، وسرعان ما يكتشف القارئ حروفها الصدئة ودوافعها الشخصية، فتتلاشى مقالاتها الفطيرة والعقيمة. رابعاً: هناك من يدلي بتصريحات ساخنة وجريئة، وعندما يعلق عليها كاتب يبدأون رحلة التملص المخزي بمجرد اكتشاف ردود الفعل، ناسين مقولة: “إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة، فإن فساد الرأي أن تترددا”.
المصيبة الأكبر: نقيب لا يقبل النقد
المشكلة أن كل صاحب عمل يرى ما يقدمه منزهاً ولا يقبل النقد أو تناول مواطن القصور فيه، والمصيبة الأكبر أن يكون صاحب هذا الفهم رجلاً قيادياً أو فناناً نقيباً ومسؤولاً.
وفي الختام، يخلص الكاتب إلى أن “نقيب” زماننا والعيب فينا، ولا لزماننا عيب سوانا.



