الرئيسيةمحلياتالتخيل المشترك والوطنية السلوكية: ركيزتان لتقوية...
محليات

التخيل المشترك والوطنية السلوكية: ركيزتان لتقوية الهوية الوطنية السعودية

الهوية الوطنية لا تُرسّخ بمجرد الأقوال والشعارات، بل تحتاج إلى مجموعة من الأدوات التي تجعل هذا “التخيل” ملموساً وحياً. من أبرز هذه الأدوات يأتي التعليم، ففي حال قرأ جميع الطلاب في كل مناطق المملكة التاريخ ذاته والقصص الوطنية نفسها، تتوحد ذاكرتهم، وتصبح الرموز الوطنية “مكثفات” تنقل مشاعر النشوة الوطنية إلى ملايين الناس في آن واحد. كذلك تلعب المناسبات الوطنية مثل “يوم التأسيس” أو “اليوم الوطني” دوراً في إحياء لحظات يتخيل فيها الجميع أنهم يقفون صفاً واحداً خلف قصة واحدة.

من سيولة التخيل إلى شكله الوطني

كان التخيل في مرحلة سابقة محصوراً في حدود القبيلة أو القرية، حيث يقتصر على من تربطنا بهم صلة دم أو جيرة. أما الآن، فقد نجحت الدولة السعودية في توسيع دائرة التخيل لتشمل الخريطة الكبيرة للبلاد، فأصبح السعودي يراها جزءاً من “سردية كبرى” تبدأ من التأسيس وتستمر إلى الرؤية المستقبلية. بهذا يصبح التخيل المشترك “الرابطة غير المرئية” التي تجعل ملايين الغرباء يشعرون بأنهم عائلة واحدة، لهم مصير موحد وقصة موحدة يروونها للعالم. وتعزز هذه القوة عبر المشاريع المستقبلية التي تتجاوز الاعتماد على التاريخ وحده.

الوطنية السلوكية: من العاطفة إلى الفعل

على صعيد آخر، ينبغي أن تتحول “الوطنية السلوكية” لدى الأجيال الجديدة إلى ممارسة يومية لا تقتصر على الشعار. إن تحويل الوطنية من “عاطفة في القلب” أو “شعار على اللسان” إلى “سلوك في الميدان” يمثل تحدياً كبيراً، لأنها هي التي تحافظ على المكتسبات وتبني الحضارات. لتحقيق ذلك، تتطلب الاستراتيجيات تجاوز التلقين التقليدي إلى “الممارسة والقدوة” عبر مسارات متعددة.

محاور تعزيز الوطنية السلوكية

أولاً: ربط المصلحة الخاصة بالمصلحة العامة؛ لا يمارس النشء الوطنية كفعل يومي إلا إذا أدركوا أن الحفاظ على النظام العام يُحسّن جودة حياتهم الشخصية. يتحقق ذلك عندما تُترجم قصص النجاح الوطنية إلى مكاسب ملموسة، لتُفهَم الرسالة القائلة: “عندما يزدهر وطني، تتوفر لي وظيفة أفضل، وبيئة أكثر أمانًا، ومكانة دولية أفتخر بها”.

ثانياً: غرس “ثقافة الملكية”؛ يبدأ ذلك عندما يشعر الشاب أن الحديقة العامة هي “حديقته”، وأن سمعة بلده في الخارج هي “سمعته الشخصية”. يمكن تفعيل ذلك عبر برامج التطوع المجتمعي الممنهجة، ما يولد شعوراً بأنهم “شركاء” في البناء لا مجرد “متلقين” للخدمات.

ثالثاً: تحويل الرموز إلى “أخلاقيات عمل” بربطها بقيم الإتقان والنزاهة والمسؤولية؛ فتصبح الوطنية معياراً للجودة في السلوك الفردي.

رابعاً: أنسنة التاريخ والقدوة؛ عبر إبراز نماذج من المواطنين العاديين الذين قدموا سلوكيات وطنية ملهمة مثل المخترع، والمسعف، والمواطن الحافظ على البيئة. فالرؤية ل”قدوة حية” تمارس الوطنية في حياتها اليومية تؤثر أقوى من الخطب المتعددة.

خامساً: المواطنة الرقمية الواعية؛ حيث يقضي الجيل الجديد معظم وقته في الفضاء الرقمي، لذا يجب أن تشمل الوطنية السلوكية “الأخلاق الرقمية” عبر الدفاع عن الوطن بالحقائق، ونبذ الشائعات، وتقديم صورة مشرفة عن الشخصية السعودية. فالسلوك الرقمي الرزين يشكل “خط دفاع” وطني لا يقل أهمية عن غيره.

سادساً: تفعيل مبادئ العدالة والشفافية والتنافسية الشريفة في بيئة الفرص المتاحة؛ لا يمكن مطالبة النشء بوطنية سلوكية إذا رأوا تناقضاً في ذلك. عندما يلاحظ الشاب أن “النظام” يُطبق على الجميع وأن “الكفاءة” هي معيار الصعود، يولد لديه ولاء سلوكي تلقائي للنظام والقانون.

الدولة كعقد اجتماعي غير مكتوب

من هذه المنطلقات يتضح أن الوطنية السلوكية هي وعي مستمر بالمسؤولية واحترام جاد للنظام وبناء مؤسسي وتنمية مستدامة. فهي عقد اجتماعي غير مكتوب يتحول فيه الحب الفطري للوطن إلى “بوصلة أخلاقية” توجه الفرد في كل تصرفاته، من رمي النفايات في سلتها إلى الإبداع في أدق تفاصيل العمل الوظيفي.

وبناءً على ذلك، يجب أن تركز المناهج التعليمية بصورة أعمق على “الجانب السلوكي” للهوية الوطنية وتعزيز “التخيل المشترك”، دون أن تظل محصورة في الجانب التاريخي فقط. فالتخيل المشترك يكتسب قوة أكبر من خلال المشاريع المستقبلية المشتركة مقارنة بالاعتماد على التاريخ وحده. هذا هو جوهر الفلسفة الوطنية المعاصرة؛ إذ نحتاج اليوم إلى إعادة رسم “تخيلنا” الجمعي لما يمكن أن نصبح عليه مستقبلاً.

التاريخ يمثل “الجذور” التي تمنحنا الشرعية والاستقرار، بينما تُعد المشاريع المستقبلية “الساق والأغصان” التي تمنحنا الارتفاع والقدرة على مواجهة الرياح. التاريخ يجمعنا على “الذكرى” الغالية، أما المستقبل فيجمعنا على “المصير”. المشاريع الكبرى تخلق نوعاً من التخيل المشترك أقوى وأكثر متانة، لأنها تعتمد على “الكدح الجماعي”. عندما يشعر المواطن في أي منطقة أن نجاح مشروع مثل “نيوم” أو “المربع الجديد” سيُحسّن جودة حياته وحياة أبنائه، يتخيل نفسه شريكاً في “قصة نجاح” تُكتب الآن، لا مجرد وارث لقصة سُجلت سلفًا.

بهذه الطريقة تتحول الهوية من “حالة وجدانية” (نحن نحب الوطن) إلى “حالة حركية” (نحن نبني الوطن). الانتقال من هوية الذاكرة إلى هوية الطموح يجعل التخيل المشترك عابراً للأجيال والمناطق، لأنه يرتكز على “الأمل” وهو وقود أقوى من “الذكرى”.

المشكلة ليست في الجانب التاريخي بحد ذاته، بل في تقديمه كقصة صماء. المنهج التعليمي الناجح هو الذي يربط التاريخ بالسلوك، مطرحاً سؤالاً: “بما أن أجدادنا ضحوا لتوحيد هذه الأرض، فما هو واجبي السلوكي اليوم للحفاظ على ثمار هذه التضحية؟”.

وأخيراً، يبرز أن المستقبل القريب، كما تصوره رؤية السعودية 2030، هو ما يمنح الهوية الوطنية ديناميكيتها وحيويتها. لذا ينبغي أن تتحول المناهج من مجرد “راوية للقصص” إلى “صانعة للشخصية”، ومن “استحضار الذاكرة” إلى “بناء السلوك”، ومن “حفظ التاريخ” إلى “المشاركة الواعية في صناعة المستقبل”.