طبيعة والبحث السعودي: بين الانتقادات والسياق المفقود

الإنجازات البحثية السعودية
سجلت المملكة 8029 براءة اختراع في عام 2024 بزيادة نسبتها 13٪، وحلت في المرتبة الرابعة والعشرين عالمياً ببراءات الذكاء الاصطناعي. بين 2020 و2023 نما الإنتاج العلمي بنسبة 53.5٪، مع تأثير تفوق المتوسط العالمي وتعاون دولي وصل إلى 76.5٪. صنّفت جامعة الملك سعود وفق تقرير US News & World Report 2025 في المرتبة الرابعة عالمياً بعلم السموم والصيدلة، والثامنة في علوم النبات والحيون، والعاشرة في علم البوليمر، والخامسة عشرة في الرياضيات، والحادية عشرة في الهندسة حسب تصنيف شنغهاي ARWU 2025. حققت كاوست، رغم عمرها أقل من عقد، صدارة مؤشر Nature للجامعات الشابة للدراسات العليا بفارق يتجاوز ضعف أقرب منافس لها. حصد المواهب السعودية 119 جائزة عالمية عام 2024 répartie على 26 مسابقة دولية شارك فيها أكثر من 120 دولة، وحلت المملكة ثانية في معرض آيسف 2026 للعام الثالث على التوالي، وأولى في مجال علم الأحياء الحسابي والمعلوماتية. تجاوز عدد الموهوبين المكتشفين منذ انطلاق برنامج موهبة 186 ألف طالب وطالبة.
انتقادات طبيعة وسياقها المفقود
في عام 2012 نشرت طبيعة مقالاً بعنوان لا يقبل التأويل يسأل ما إذا كانت الجامعات السعودية تشتري مكانتها في التصنيفات العليا، متغاضية عن دفاع باحثين من كامبريدج ومؤسسات مرموقة الذين أوضحوا أن استقطاب العقول المتميزة ممارسة شائعة في هارفارد، ستانفورد، كامبريدج، بيركلي وغيرها عبر أنظمة رسمية للأكاديميين الزائرين دون إثارة أسئلة أخلاقية. تحول الخبر إلى اتهام وتحول الاتهام إلى سردية تُستدعى كلما دعت الحاجة.
في 2023 أصدرت طبيعة تحليلاً وضع المملكة ضمن أعلى معدلات سحب الأوراق البحثية على مدى عقدين، إذ بلغت 30 سحباً لكل 10 آلاف ورقة منشورة، وهو رقم يبدو هامشياً لكن تم توظيفه في سياق “سلع الأوراق المزيفة والتحكيم الاحتيالي” مما زاد من وزنه؛ الحقيقة أن النسبة الفعلية للسحب تمثل 0.3٪ من إجمالي الإنتاج البحثي. أغفل التحليل أن المصدر الحقيقي للمشكلة كان تحت عينيها: كشفت تحقيقات أن 100٪ من السحوبات السعودية المرتبطة بالتحكيم المخترق عام 2022 جاءت من مجلات Hindawi البريطانية التي احتوت شبكات محكمين ومحررين منسقة تلاعب بعملية التحكيم لتمرير الأوراق مقابل مكاسب مالية. تصاعد العدد إلى أكثر من 8000 مقال مسحوب بحلول 2023 في واحدة من أكبر فضائح النشر العلمي الحديث، وأُغلقت Hindawi بالكامل عام 2024 بعد ثبوت وجود مؤشرات احتيال في ورقة من كل ثماني إلى عشر أوراق نشرتها.
الحقيقة التي كان ينبغي أن تصرّح بها طبيعة هي أن الباحثين السعوديين كانوا ضحايا نظام نشر بريطاني مخترق كان مفهرساً في Scopus وWeb of Science وقت النشر، فنشروا فيه بحسن نية ثم حمّلوا وحدهم وزر انهياره. لم يكن الباحث السعودي مجرد ضحية سلبية؛ بل دفع رسوم النشر كاملة لناشر بريطاني معتمد تتراوح بين 550 و2300 دولار للورقة، نشر في مجلة مصنّفة في Scopus وWeb of Science وقت التقديم، واجتاز كل متطلبات النظام كما رسمها الناشر. بالمقابل استغلت مصانع الأوراق ثغرات الإعفاء التلقائي لدى Wiley بتعيين مؤلفين مراسلين وهميين من دول منخفضة الدخل فلم تدفع شيئاً. كانت Hindawi تجني مئات الملايين سنوياً من رسوم النشر في نموذج يربط إيراده بعدد المقبول لا برفضه، وهو الحافز الهيكلي ذاته الذي مكّن شبكات التلاعب من الاختراق وجعل توسيع القبول أكثر ربحية من صرامة التحكيم. بعد استحواذ على الناشر مقابل 298 مليون دولار انهار نظام التحكيم فيه مباشرة، فُسحبت الأوراق، لكن طبيعة لم تطرح سؤالاً حاسماً: من الذي تقاضى الرسوم؟ من الذي أدار التحكيم؟ من الذي أخفق في حماية السجل العلمي؟ الجواب في الحالات الثلاث ليس الباحث السعودي.
في 2025 نشرت طبيعة تغطية لمؤشر مخاطر النزاهة البحثية RI² التي تحولت في تغريدات إلى ادعاء صريح بأن “21 جامعة سعودية هي الأعلى غشاً في العالم”. هذا تحريف موثّق؛ الدراسة شملت 11 جامعة سعودية فقط من أصل 21 جامعة في خمس دول، ويصرّح مؤلف المؤشر بأنه “إطار تشخيصي” لا حكم على السلوك ولا تصنيف للغش. يعاني المؤشر من عينات غير عشوائية تم انتقاؤها بسبب الشذوذ ثم قياس الشذوذ وتقديم النتيجة كاكتشاف، ما يُسمّى بـ Circular Reasoning Bias، يضاف إليه تحقق التحقق حيث المؤسسات الأكثر شفافية تسجّل سحباً أعلى فيبدو الأكثر نزاهةً أسوأ في المؤشر. غياب التطبيع الحقيقي حسب التخصص ونوع التعاون يجعل المقارنة الدولية خطأ منهجياً لا يقبله أي إحصائي محكَّم.
التداعيات وطرق المضي قدماً
هذا النمط من التشكيك المصاحب للصعود العلمي ليس حكراً على المملكة، لكن المعالجة الإعلامية له كانت مختلفة تماماً. حين اندلعت فضيحة هوانج في كوريا الجنوبية عام 2005 نشرت طبيعة Medicine مقالاً تحت عنوان “الفضيحة الكورية تهز مجتمع الخلايا الجذعية” وبيوتكنولوجيا تحليلاً عن “فشل السياسة الكورية” وخطاً زمنياً كاملاً للقضية، مع تركيز على الحالة نفسها دون تعميم على المنظومة الكورية كلها؛ كوريا واصلت صعودها وأصلحت نظامها. عندما مرّت سنغافورة بأزمة جامعة نانيانج وسُحبت شهادات دكتوراه بثبوت تزوير البيانات لم تُفرد طبيعة مقالاً مستقلاً يتهم المنظومة البحثية السنغافورية كلها. والصين تواجه اليوم موجة اتهامات في طبيعة ذاتها طالت أساتذة وعمداء لكن التغطية تبقى في حدود الحالات الفردية. يطرح هذا السؤال: لماذا تتحوّل مجلة بمكانة طبيعة إلى تحيز صريح كلما تقدّم العلم السعودي خطوة إلى الأمام؟ هل يقلقها هذا الصعود فعلاً أم أن ثمة ما يستحق التأمل العميق في طريقة اختيارها لمن تُدقّق فيه ومن تتجاوزه؟
المملكة من جهتها لم تلتفت كثيراً لمن أراد تأخير مسيرتها، ويعود الفضل إلى القرارات الحكيمة للمسؤولين الذين آثروا البناء على الردّ. بينما لم تكن أي جامعة سعودية ضمن أفضل 500 جامعة عالمياً عام 2008، باتت 16 جامعة مدرجة في تصنيف QS العالمي عام 2023. الأرقام تتحدث والمسيرة تمضي.
مع ذلك يثقل داخلياً ما يقلق: بعض الأقلام الأكاديمية السعودية لا تكتفي بتناقل هذه الادعاءات بل تسارع إلى تحويرها وتضخيمها، مضيفةً تفسيرات من عندها كالقول إن النشر العلمي لا يهدف إلا إلى الترقية أو الشهرة، متجاهلةً أن هذا الوصف يسيء إلى آلاف الباحثين المخلصين قبل أن يسيء إلى أي أحد آخر. وقد تجلى ذلك حين استبدل بعضهم عبارة “قياس مخاطر النزاهة” إلى “قياس الغش”، مضيفين إلى التحريف الخارجي تحريفاً داخلياً.
خلاصة القول في نقطتين لا تقبلان التأجيل: الأولى، الحذر من تناقل كل خبر سلبي دون تمحيص، فالمؤشر الذي يقيس مخاطر ليس حكماً بالغش، والخبر الصحفي ليس بياناً رسمياً، وتداول الاتهام بوصفه حقيقةً لا يخدم إصلاحاً بل يمنح التشكيك مصداقيةً لا يستحقها. الثانية، العمل الجاد على تقنين المسار وضمان جودته: مراجعة معايير التأليف والشراكات الدولية، وتطوير وحدات مستقلة للنزاهة البحثية، وإعادة توجيه حوافز التقييم نحو جودة المساهمة العلمية لا كمّ المنشورات.
الثورة البحثية السعودية الحقيقية والأرقام تُثبتها، والقادم أفضل لأن 186 ألف موهوب يُعدّون له منذ اليوم. والتحدي حقيقي أيضاً ولا يستحق الإنكار. لكن الفارق بين من نجح ومن تعثّر لم يكن في غياب الانتقاد، بل في القدرة على التمييز بين انتقاد يبني وادعاء يُشكّك، ثم البناء على الأول، وتجاوز الثاني بما يستحقه من تجاهل.



