الرئيسيةمحلياتالأمن الإعلامي في ظل التحول الرقمي:...
محليات

الأمن الإعلامي في ظل التحول الرقمي: امتداد للأمن المجتمعي

لم يعد مفهوم الأمن الإعلامي مقتصراً على المؤسسات الصحفية والإعلامية فقط، بل أصبح جزءاً من منظومة الأمن المجتمعي الشامل. ومع تسارع التحول الرقمي وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، أصبحت المعلومات تصل إلى ملايين الأشخاص في لحظات قليلة، ما يتيح للشائعات والمعلومات المضللة أن تؤثر على الرأي العام وتولّد قلقاً اجتماعياً، وقد تنعكس آثارها على قرارات وسلوكيات الأفراد اليومية.

مفهوم الأمن الإعلامي وتوسعه

خلال جائحة كوفيد‑19 انتشرت معلومات غير دقيقة حول الفيروس وطرق علاجه واللقاحات المرتبطة به، مما دفع منظمات دولية إلى التحذير من خطورة التضليل الإعلامي على الصحة العامة. وأظهر ذلك كيف يمكن للمحتوى الكاذب أن يهدد الاستجابة للأزمات ويضر بالسلام المجتمعي.

في الفترة الحالية ارتفعت حالات الفبركة الرقمية التي تنتج صوراً ومقاطع فيديو يصعب على المتلقي العادي التحقق من صحتها، ما زاد من أهمية بناء الوعي الإعلامي وتعزيز مهارات التحقق من المصادر والمحتوى.

جهود المملكة العربية السعودية في تعزيز الموثوقية الرقمية

أكدت الأمم المتحدة في تقريرها حول مكافحة التضليل الإعلامي أن المعلومات المضللة تؤثر على الصحة العامة والاستجابة للأزمات والسلم المجتمعي، وأشارت إلى أن المواجهة لا تعتمد على المنع فقط بل على رفع الوعي وتعزيز القدرة على التحقق من المعلومات ومصادرها، واعتبرت ذلك أحد أهم أدوات الحماية في العصر الرقمي.

وفي المملكة العربية السعودية جاء اهتمام الأمن الإعلامي متزامناً مع التحول الرقمي الذي تشهده البلاد في إطار رؤية 2030، فتم بناء منظومة متكاملة لحماية الفضاء المعلوماتي وتعزيز موثوقية المحتوى. وتم تطوير الأنظمة الخاصة بالجرائم المعلوماتية وحماية البيانات، إلى جانب تعزيز أدوار مؤسسات وطنية محورية مثل الهيئة الوطنية للأمن السيبراني والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والتي تُعد ركائز أساسية لإدارة الفضاء الرقمي وحوكمته.

الإطار التشريعي والإجراءات التنفيذية

تتعامل الجهات المختصة في المملكة مع قضايا التضليل الإعلامي والمحتوى الرقمي غير الموثوق بوصفها مخالفات تمس ثقة المستهلك وسلامة البيئة الرقمية، وليست مجرد تجاوزات عابرة. ويتم ذلك ضمن إطار تشريعي ورقابي متكامل يهدف إلى ضبط المحتوى الإعلاني الإلكتروني، ومكافحة الممارسات الخادعة على المنصات الرقمية، وتعزيز الشفافية في السوق الرقمية، بما يحمي المستخدم ويزيد من موثوقية المعلومات المتداولة.

وتؤكد الجهات المشرفة على قطاعات الإعلام والاتصالات والتجارة في المملكة أن تعاملها مع المحتوى المضلل لا يقتصر على التوجيه أو التحذير، بل يمتد إلى إجراءات نظامية وعقوبات رادعة بحق المخالفين، لضمان حماية المجتمع من آثار المعلومات غير الموثوقة وترسيخ بيئة رقمية أكثر انضباطاً وثقة.

دور الوعي الفردي والخلاصة

ومع كل هذه الجهود والتشريعات، يظل الأمن الإعلامي يعتمد في جوهره على وعي الفرد وقدرته على التمييز بين الحقيقة والزيف. فالذي يستهلك المعلومات دون تمحيص يظل عرضة للتأثير مهما كانت قوة المنظومة المحيطة به.

من المناقشات العلمية خرجنا بقناعة واضحة: أن الأمن الإعلامي امتداد طبيعي للأمن المجتمعي، لا يتحقق بمعزل عن تكامل المؤسسات وترابط أدوارها. في زمن تتسارع فيه المعلومات وتتشعب أدوات التأثير، يصبح حماية الوعي العام مسؤولية لا تقل أهمية عن أي ركيزة أمنية أخرى، ويحتاج إلى مزيج من التنظيم والتشريع من جهة، والوعي النقدي للفرد من جهة أخرى.