رحلة التلفزيون من صالون المنزل إلى شاشة الجيب: هل انتهى زمنه؟

منذ انطلاق أولى تجارب التلفزيون في النصف الأول من القرن العشرين، شهد العالم تحولاً جذرياً في علاقته بالصورة والصوت. فقد استطاع هذا الجهاز أن ينقل الأخبار والأحداث والبرامج إلى داخل البيوت، وأسس علاقة يومية راسخة بين المشاهد والشاشة الصغيرة، حتى غدا لعقود طويلة جزءاً لا يتجزأ من حياة الناس.
التلفزيون في السعودية: انطلاقة عام 1965
في المملكة العربية السعودية، انطلق البث الرسمي للتلفزيون عام 1965م، ليشكل علامة فارقة في تاريخ الإعلام السعودي. ومع تطور أساليب البث وظهور القنوات الفضائية، توسعت دائرة المشاهدة، وأصبح المشاهد أمام عشرات القنوات التي تقدم البرامج والنشرات الإخبارية والدراما والمحتوى الرياضي. وارتبط التلفزيون بذاكرة أجيال متعاقبة، حيث كانت الأسرة تجتمع حوله في أوقات محددة، وينتظر المشاهدون نشرات الأخبار والمسلسلات والمباريات، وكان توقيت البرنامج يعني الكثير لأن المشاهد كان مرتبطاً بجدول القناة ولا يملك خيارات واسعة لمشاهدة ما يريد في الوقت الذي يريده.
الإنقلاب الرقمي: الإنترنت ومواقع التواصل
لكن المشهد الإعلامي تغير بصورة جذرية مع ظهور الإنترنت، ثم جاءت مواقع التواصل الاجتماعي لتحدث التحول الأكبر. فقد انتقلت الشاشة من جهاز ثابت في المنزل إلى هاتف صغير يحمله الإنسان معه أينما ذهب، وأصبح بإمكانه متابعة الأخبار ومشاهدة المقاطع والبث المباشر والتفاعل معها في اللحظة نفسها. لم تعد المؤسسات الإعلامية وحدها قادرة على صناعة الخبر؛ فالمواطن أصبح قادراً على التصوير والنشر والتعليق والوصول إلى جمهور واسع خلال دقائق. كما ظهرت منصات رقمية أتاحت للمستخدم اختيار المحتوى الذي يريده وفي الوقت الذي يناسبه، وهو ما جعل الأجيال الجديدة أقل ارتباطاً بالتلفزيون التقليدي.
التلفزيون لم يمت بعد: تحول وليس اختفاء
ومع ذلك، فإن القول إن التلفزيون انتهى تماماً قد يكون مبالغاً فيه؛ فهو ما زال حاضراً، خصوصاً في الأخبار والرياضة والبرامج الكبرى، لكنه لم يعد الوسيلة الوحيدة التي تفرض نفسها على المشاهد كما كان في الماضي. لقد تغيرت المعادلة؛ فبعد أن كان التلفزيون هو النافذة الأولى التي يطل منها العالم على الناس، أصبح اليوم ينافس شاشات صغيرة يحملها الجمهور في أيديهم. وربما لا يكون مستقبل التلفزيون في الاختفاء الكامل، بل في تحوله إلى شكل جديد يتعايش مع المنصات الرقمية، ويستفيد من سرعة التفاعل وقوة المحتوى المرئي.
وفي المستقبل، لن يكون السؤال: هل سيختفي التلفزيون؟ بل: كيف سيعيد اختراع نفسه ليبقى حاضراً؟ فالإعلام الذي لا يتطور مع جمهوره يفقد جمهوره، والمنصات التي تملك القدرة على الابتكار ستقود المشهد. وبين تلفزيون الأمس ومنصات الغد، تبقى الحقيقة واحدة: الشاشة ستبقى، لكن شكلها ومَن يملكها ومَن يصنع محتواها سيتغير.



