الرئيسيةمحلياتنقاش استراتيجي عميق حول التطوير الدفاعي...
محليات

نقاش استراتيجي عميق حول التطوير الدفاعي في ملتقى وزارة الدفاع

تعددت ردود الفعل بين الحضور في الفعالية، فبعضهم سعى إلى بناء جسر من الفهم المتبادل لتغطية النقاط التي قد تكون غابت عن كاتب التقرير أو حتى عن الجهة نفسها، ساعيًا إلى إرساء تصور مشترك للواقع. بينما وجد آخرون صعوبة في تقبل النقد، فكان ردهم كأن العلاقة تنقطع بمجرد طرح ملاحظة، متظاهرين بأن كل شيء يسير بسلاسة دون الحاجة إلى تعديل.

أنماط التفاعل بين الجهات

هناك فئة ثالثة تتخذ من الشكوى إلى رئيس التحرير أو ممثل آخر وسيلة للتعبير، إلا أن هذه الخطوة نادراً ما تُحدث فرقاً، إذ إن جوهر المشكلة لا يكمن في ما كُتب بل في ما تُرك من قصور. طالما استمر هذا النقص، سيظل النقد حاضراً.

حديث الدكتور خالد البياري: منظور استراتيجي واضح

لفت انتباهي خلال الملتقى كلمة الدكتور خالد البياري، مساعد وزير الدفاع، التي لم تكن مجرد إعادة صياغة عبارات مألوفة، بل تجسدت فيها فكرية استراتيجية حقيقية. تميّزت كلماته بقدرة على ربط التحولات الجارية في التكنولوجيا والدفاع بصورة شمولية، بعيداً عن الخطاب الروتيني المتكرر.

بينما يكرر كثير من المسؤولين في المناسبات الرسمية عبارات منسقة، يبقى ما يقدمه من محتوى مجرد كلمات. أما من يتبنى نهجاً استراتيجياً يستوعب التحولات الكبرى ويربط بين الأحداث، فهو يقدم قيمة مختلفة تماماً.

تسارع التحولات التقنية وأثرها على الأمن القومي

أظهر الدكتور البياري معرفة واسعة بأحدث ما توصلت إليه الساحة التقنية والدفاعية، حتى تلك الأفكار التي لا تزال تناقشها مراكز الفكر العالمية منذ أيام قليلة فقط. وأوضح أن وتيرة التطور تشبه ثورة تكنولوجية، حيث قد تصبح التقنية السائدة اليوم غير صالحة للاستخدام غداً.

ليس من الغريب أن يكون مسؤولاً دفاعياً على دراية بهذه المستجدات؛ ما يثير القلق هو أن بعض الزملاء الذين يلتقون بنا في المؤتمرات يظلون متمسكين بأفكار تقليدية لا تستوعب هذه السرعة.

الذكاء الاصطناعي وتطورات الطائرات المسيّرة في القوات المسلحة

لطالما شددنا في مقالاتنا على ضرورة دمج الذكاء الاصطناعي والطائرات بدون طيار في برامج التدريب والتأهيل، واقترحنا تخصيص نسبة لا تقل عن خمسة عشر بالمئة من الكوادر لتلك المجالات. فالحروب الحديثة لم تعد محصورة في سلاح الجندي والبندقية، بل تحولت إلى صراعات تعتمد على أنظمة ذكية وتقنيات ذاتية التشغيل.

وصل عدد الطائرات المسيّرة المستخدمة في الصراع الروسي‑الأوكراني إلى أعداد هائلة، ما يؤكد أهمية الاستعداد لهذه التكنولوجيا. وعند سؤاله عن خلفيته في الاتصالات والمعلومات، صرح الدكتور البياري بوضوح أنه يدعم إدماج الذكاء الاصطناعي في وزارة الدفاع، معبراً عن تفاؤله التام بالمبادرة.

تقييم شفافية هيئة التطوير الدفاعي ومخرجات البحث العلمي

أظهر الدكتور فالح السليمان، محافظ هيئة التطوير الدفاعي، صراحةً لافتة عندما ناقش نتائج الأبحاث الجامعية، مشيراً إلى أن الكثير منها لا يتجاوز الإطار النظري ولا يتحول إلى منتجات ملموسة. وقد أكد أن المشكلة ليست في القدرة على الإنتاج، بل في الهيكلية التنظيمية التي تفضّل الإثراء النظري على التحويل العملي.

رغم الجهود التي تبذلها الهيئة من حاضنات ومسرعات وشراكات، يبقى العائق الأساسي هو ثقافة الجامعات نفسها وإنتاجها. كما يوضح المثل الشعبي: «يمكنك أن تقود الحصان إلى الماء، لكنه لا يشرب»، أي أن الدعم لا يكفي إذا لم تتوفر الحوافز المناسبة.

في عام 2026 ما زال عدد الأبحاث ذات الأثر العملي القابل للتطبيق محدوداً، مع استثناءات قليلة من جامعات مثل جامعة الملك فهد للبترول والمعادن. ويرى البعض أن النظام الحالي لا يحفّز الأساتذة على الابتكار؛ فالمشروع الناجح قد لا يضيف شيئاً إلى مسارهم المهني، مقارنةً بنظام الجامعات العالمية التي تمنح مكافآت ملموسة للابتكارات.

في مؤسسات مثل هارفارد وMIT وستانفورد، يحصل الباحث على دعم شامل ونسبة من العائدات إذا تحوّل اختراعه إلى منتج تجاري، ما يخلق بيئة تشجع على الإنتاج العملي. أما في بعض الجامعات السعودية، فغالباً ما تُستنسخ النماذج الإدارية دون توفير الحوافز الفعلية للابتكار.

توجيهات مستقبلية للهيئة وتوازن التعاون الدولي

أنصح هيئة التطوير الدفاعي بالاستمرار في دعم الجامعات، لكن دون الاعتماد الكامل عليها في المرحلة الحالية. ينبغي تعزيز التعاون مع دول الشرق الأوسط وجنوب أفريقيا، حيث تظهر الشراكات الإقليمية فاعلية أكبر وتعقيدات أقل مقارنةً مع التجارب الغربية التي كثيراً ما تُظهر بُعداً في نقل التقنية وتكلفة عالية.

إن بناء قدرات محلية وإقليمية قوية، مع الحفاظ على الشراكات الغربية كإضافة وليس كقاعدة، هو الطريق الأكثر واقعية لتحقيق تطور دفاعي مستدام.