الرئيسيةتكنولوجيامن الشفاهية إلى الوسائط الرقمية: كيف...
تكنولوجيا

من الشفاهية إلى الوسائط الرقمية: كيف تعيد وسائل الاتصال تشكيل التفكير البشري؟

يبرز الباحث الأميركي والتر أونج كواحد من أبرز المفكرين الذين تناولوا تأثير وسائل الاتصال على العقل الإنساني. وقد تأثر بمنهج المفكر الكندي مارشال ماكلوهان، الذي رأى أن أداة الاتصال نفسها تشكل الوعي وأنماط التفكير في أي مجتمع. بناءً على ذلك، ركز أونج على تحليل انتقال البشرية من ثقافة الكلام الشفهي إلى عصر الكتابة، ثم إلى وسائل الاتصال الإلكترونية المعاصرة، وما يخلفه ذلك من تغيرات في الإدراك والثقافة.

خصائص المجتمعات الشفهية والكتابية

تناول أونج بالدراسة الفروق بين المجتمعات التي اعتمدت على التواصل الشفهي وتلك التي بنت معرفتها على النصوص المكتوبة والمطبوعة. وأكد أن وسائل الاتصال لا تقتصر على نقل المعلومات، بل تعيد تشكيل طريقة التفكير ذاتها. وحدد مرحلتين رئيسيتين: الأولى هي «الشفاهية الأصلية» التي سبقت اختراع الكتابة، والثانية هي «الثقافة الكتابية» التي أصبحت فيها النصوص المطبوعة أساس المعرفة. غير أن ظهور وسائل الاتصال الإلكترونية، ثم الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، قاد إلى مرحلة جديدة أطلق عليها «الشفاهية الثانوية»، وهي عودة لخصائص الثقافة الشفهية لكن ضمن بيئة تكنولوجية حديثة.

بالنسبة للشفاهية الأصلية، أوضح أونج أنها كانت سائدة في مجتمعات لم تعرف الكتابة، حيث انتقلت المعرفة عبر الكلام والحفظ والسرد. في تلك المجتمعات، كان التفكير يعتمد على التكرار والإيقاع والقصص والأمثال، لأن الذاكرة كانت الوسيلة الوحيدة لحفظ المعلومات. كما ارتبطت المعرفة بالحضور المباشر بين المتحدث والمستمع، مما جعل التواصل يتسم بالتفاعل الفوري والمشاركة الجماعية. أما مع ظهور الكتابة والطباعة، فأصبحت المعرفة أكثر ثباتاً وتنظيماً، وأصبح التفكير أكثر تحليلاً وتجريداً، لأن الإنسان لم يعد مضطراً للاعتماد على الذاكرة وحدها.

الشفاهية الثانوية: عودة الصوت في العصر الرقمي

في مرحلة «الشفاهية الثانوية» أو «الشفاهية الجديدة»، يرى أونج أن وسائل الإعلام الإلكترونية أعادت كثيراً من خصائص الشفاهية الأصلية، لكن بصورة مختلفة. فالهاتف والإذاعة والتلفزيون، ثم الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي والبودكاست والبث المباشر، أعادت أهمية الصوت والمحادثة والتفاعل الفوري، مع أنها لم تلغِ الكتابة، بل اعتمدت عليها في الوقت نفسه. لذلك وصف أونج هذه المرحلة بالشفاهية الثانوية، لأنها تنشأ داخل مجتمع يعرف القراءة والكتابة ويستخدم التقنيات الحديثة. في تطبيقات مثل الرسائل الفورية والتعليقات والمحادثات الصوتية، أصبح الاتصال أقرب إلى الحديث المباشر منه إلى النصوص التقليدية الطويلة، وأصبحت سرعة الاستجابة والتفاعل أهم من الصياغة المطولة.

في عصر الاتصال الرقمي، توسع الباحثون في تطبيق أفكار أونج على وسائل التواصل الاجتماعي. فالفيديوهات القصيرة، وغرف المحادثات الصوتية، والبث المباشر، والرسائل الصوتية، تعكس جميعها عودة إلى أساليب التواصل الشفهي، حيث يفضل كثير من المستخدمين الحديث والاستماع على القراءة المطولة. كما أصبحت الشخصيات المؤثرة والمشاهير يعتمدون على أسلوب الحوار والسرد الشخصي أكثر من اعتمادهم على النصوص الرسمية، مما جعل الاتصال الرقمي يبدو في كثير من الأحيان وكأنه امتداد للعلاقات الشفهية داخل المجتمعات التقليدية القديمة، ولكن على نطاق عالمي.

مجتمع ما بعد القراءة: هيمنة الوسائط المتعددة

حالياً، يطلق بعض الباحثين على عالمنا المعاصر مصطلح «مجتمع ما بعد القراءة»، بمعنى المجتمع الذي لا تختفي فيه القدرة على القراءة والكتابة، وإنما تتراجع فيه مكانة النص المكتوب بوصفه الوسيلة الرئيسة لاكتساب المعرفة والتواصل. ففي هذا المجتمع يزداد الاعتماد على الفيديو والصوت والصور والوسائط الرقمية والذكاء الاصطناعي، بينما تتراجع القراءة المتعمقة للكتب والمقالات الطويلة. ولا يعني هذا المصطلح نهاية القراءة أو عودة الأمية، بل يعبر عن تحول ثقافي تنتقل فيه المعرفة من هيمنة الكلمة المكتوبة إلى هيمنة الوسائط المتعددة.