من حجر صحي إلى تراث: قصة تحول حي الكرنتينا في جدة

عند ذكر اسم حي الكرنتينا في الجلسات اليوم، تتوارد إلى الأذهان صور الأزقة الضيقة والمباني المتواضعة التي ارتبطت بالزحام في الذاكرة الشعبية.
أصل الاسم ومفهوم الحجر الصحي
يشتق المصطلح من الكلمة الإيطالية (quarantena) التي تعني “الأربعين”، وهو فترة العزل التي كان يُفرض على القادمين لمدة أربعين يوماً للتأكد من خلوهم من الأمراض قبل اختلاطهم بالسكان.
الدور التاريخي في مكافحة الأوبئة
في منتصف القرن التاسع عشر كان وباء الكوليرا يهدد الممالك، وموسم الحج كان يشكل خطراً لنقل العدوى. عقب المؤتمر الطبي الدولي في إسطنبول عام 1866، اتخذت جدة، بوصفها بوابة الحرمين، خطوةً جعلت من الحي أول منطقة حجر صحي في المنطقة، حيث أُقيمت ثكنات ومراكز عزل تفحص كل سفينة تقترب من الميناء وتضعها تحت مراقبة صحية قبل السماح بدخولها، لتكون بذلك أول نظام وقاية صحي دولي في المنطقة.
من الحجر الصحي إلى التطوير العمراني
مع قيام الدولة السعودية، انتقلت جدة من فكرة الحجر الصحي المحدود إلى عصر المؤسسات الطبية الشاملة والمرافق الصحية الحديثة؛ فلم تعد البنية القديمة للحي قادرة على استيعاب تدفق الحجاج القادمين بحراً وجواً. لذا شُيدت مستشفيات حكومية ضخمة مجهزة بأحدث التقنيات، تحوّلت بها المدينة إلى “فلتر” صحي متطور يجمع بين استضافة ضيوف الرحمن والحفاظ الصارم على الأمن الصحي. مع مرور الوقت، انتشرت العشوائية في الحي الذي كان أصلاً درقاً للوقاية، فبات يفتقر إلى أبسط مقومات البنية الصحية الآمنة. استدعى ذلك تدخلاً حازماً لإزالة الحي ضمن مشروع تطوير أحياء جدة، بهدف إعادة التخطيط وتوفير بيئة ترتقي بجودة الحياة وتتوافق مع رؤية طموحة ترفض التهميش العمراني وتعيد صياغة المكان بما يليق بمكانته. هُدمت المباني، وبقي التاريخ شاهداً على مدينة كانت ولا تزال رئة تتنفس منها قوافل الإيمان.



