تأخر تحول هيئة الإذاعة والتلفزيون يثير تساؤلات حول الإصلاح المؤسسي

واقع التحول المؤسسي المتأخر
بينما قطعت معظم الجهات التابعة لمنظومة الإعلام خطوات متقدمة في التحول المؤسسي، ما أدى إلى تحسين بيئة العمل وتطوير الأنظمة وتوضيح أوضاع منسوبيها، لا تزال هيئة الإذاعة والتلفزيون تسير بخطى بطيئة رغم تاريخها العريق وكفاءاتها الوطنية القادرة على إحداث فارق.
هذا الوضع يطرح سؤالاً مشروعاً حول أسباب تأخر التحول في الهيئة مقارنة بغيرها؛ فهل السبب إداري أم تنظيمي أم أن وتيرة اتخاذ القرار لا ترقى إلى مستوى المطلوب؟ هذه الأسئلة لا تستهدف فرداً محددًا، لكنها تمس مسؤولية أي قيادة تنفيذية مكلفة بإدارة التغيير. فالقيادة الناجحة لا تُقاس فقط بإدارة الشؤون اليومية، بل بقدرتها على تسريع التحول، وإزالة العوائق، وصيانة مصالح العاملين، وتحويل الخطط إلى نتائج ملموسة.
تأثير التعثر على الموظفين والمؤسسة
أول المتضررين من هذا التعثر هم منسوبو الهيئة، الذين انتظروا طويلاً ثمار التحقق التي تحققت في مؤسسات شقيقة. فالغموض الوظيفي، وتأخير بعض المعالجات الإدارية والتنظيمية، وتراجع الحوافز، كلها عوامل تؤثر على الاستقرار المهني وتنعكس بالضرورة على الأداء المؤسسي.
والأكثر ألماً أن هذا التأخير لم يعد مقتصراً على الموظف فقط، بل يمس مؤسسة إعلامية تمثل إحدى أهم أدوات القوة الناعمة للدولة، في وقت تتسارع فيه وتيرة التطوير في مختلف القطاعات. فالإعلام الرسمي يحتاج إلى مؤسسة مرنة، سريعة في اتخاذ القرار، جاذبة للكفاءات، وقادرة على المنافسة.
مقترحات لتسريع التغيير وضمان الشفافية
ولا يمكن تحميل الظروف وحدها مسؤولية ما حدث؛ فالإدارة الفعالة وجدت أصلاً للتعامل مع الظروف، وتجاوز العقبات، وتحقيق الأهداف. وإن وجدت معوقات خارجة عن إرادة الهيئة، فمن حق منسوبيها والمسؤولين عن حماية حقوقهم معرفة طبيعتها والخطوات التي اتُّخذت لمعالجتها، لأن الشفافية تبني الثقة وتمنع الاجتهادات والتفسيرات. كما ورد في القرآن الكريم تحذير من مثل هذه الحالة؛ حيث قال تعالى في سورة النساء، الآية 58: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)؛ وقال سبحانه في سورة الأعراف، الآية 85: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) صدق الله العظيم.
اليوم، لا يحتاج منسوبو الهيئة إلى وعود جديدة بقدر ما يحتاجون إلى قرارات واضحة، وجدول زمني معلن للتحول، ومراجعة شاملة للأنظمة الوظيفية، والاستفادة من التجارب الناجحة في هيئات أخرى. كما أن فتح قنوات التواصل مع الموظفين والاستماع إلى آرائهم سيعيد جزءاً كبيراً من الثقة التي تأثرت خلال السنوات الماضية.
هذا المقال ليس محاكمة لأحد، ولا انتقاصاً من الجهود التي بُذلت، بل دعوة صادقة لمراجعة المسار قبل أن تخسر الهيئة المزيد من الوقت والكفاءات. فالتحول ليس شعارًا، بل مسؤولية، ومن يقود مؤسسة بحجم هيئة الإذاعة والتلفزيون يتحمل مسؤولية نجاحها أو تعثره، وكذلك مسؤولية تصحيح المسار كلما ظهرت الحاجة إلى ذلك.
ويبقى الأمل أن تُطوى صفحة التعثر، وأن تستعيد الهيئة مكانتها، وأن ينال منسوبوها ما يستحقونه من عدالة واستقرار وفرص تطوير، لأن نجاح الإعلام الوطني يبدأ من نجاح مؤسساته، ونجاح المؤسسات يبدأ من حسن الإدارة وسرعة الإنجاز.
*مستشار إعلامي



