هالة الشاعر: كسر دائرة الفقر يبدأ من الطفل و«فنجان الخير» نموذج للتمويل المستدام

ترى هالة الشاعر، رئيسة مجلس إدارة الجمعية النسائية الخيرية الأولى بجدة «الأولى»، أن العمل الإنساني لا يقتصر على تخفيف حاجة عاجلة أو تقديم مساعدة مؤقتة، بل يمتد إلى تمكين الإنسان من تغيير مساره وصنع مستقبله. ولهذا تضع الجمعية الطفل في صلب استراتيجيتها، وتسعى في الوقت نفسه إلى تطوير نماذج تمويل أكثر استدامة للعمل الخيري، أبرزها «فنجان الخير»، الذي تحول من مجرد فعالية ثقافية إلى منصة للشراكات وتحقيق الأثر.
الطفل محور التغيير وكسر الفقر
وتؤكد الشاعر لـ«الاقتصاد» أن الهدف الأساسي هو «مساعدة الطفل على تغيير مساره، بحيث لا ينقل الفقر إلى جيل جديد»، مشيرة إلى أن ما يُزرع في الطفل اليوم يمكنه أن يغير مسار أسرة بأكملها، بل وربما جيل بأكمله. فالطفل، من وجهة نظرها، يحتاج إلى أكثر من المساعدة المباشرة؛ فهو يحتاج إلى التعليم، واكتشاف قدراته، وبناء الثقة والمهارات، وفتح الفرص التي تمكنه من بناء مستقبله بنفسه.
مفهوم «ثقافة الفقر» وأهمية التدخل المبكر
وتوضح الشاعر أن «الأولى» استحضرت أثناء إعداد استراتيجيتها الجديدة مفهوم «ثقافة الفقر» الذي طرحه عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي أوسكار لويس، والذي يصف الفقر في بعض البيئات بأنه حالة قد تتجاوز الحرمان المادي لتشمل أنماطاً من السلوك والتفكير ومحدودية الفرص، مما يسمح بانتقال آثاره من جيل إلى آخر. ومن هنا ينصب التركيز على التدخل المبكر، لأن دائرة الفقر قد تمتد من الجد إلى الأب ثم الابن، بينما يصبح كسرها أكثر صعوبة وتكلفة كلما تأخر التدخل.
وتؤكد الشاعر أن برامج الجمعية تهدف إلى مواجهة هذه الدائرة عبر التعليم والدعم النفسي وبناء المهارات والثقة، مع الحفاظ على كرامة المستفيدين؛ إذ تعتمد «الأولى» تعبير «سعادة المستفيدين»، انطلاقاً من أنهم لا يأتون طلباً للشفقة، بل بحثاً عن الفرصة وحقهم في أن يكونوا شركاء في النهضة.
العطاء بداية التمكين وليس نهايته
وفي فلسفة «الأولى»، لا يتعارض العطاء مع التمكين؛ فالمساعدة قد تكون ضرورية في لحظة أزمة، لكنها لا ينبغي أن تكون نهاية الطريق. وترى الشاعر أن العطاء هو البداية، فيما يمثل التمكين امتداده الطبيعي، بحيث ينتقل الإنسان من الاحتياج إلى الإنتاج، ومن الاعتماد إلى امتلاك أدوات صناعة الفرصة، ومن تلقي الدعم إلى القدرة على مساعدة نفسه وصناعة أثر في محيطه.
«فنجان الخير»: من فعالية ثقافية إلى منصة للاستدامة
وتربط الشاعر هذه الرؤية بمفهوم استدامة العمل غير الربحي، مؤكدة أن استمرار الأثر يتطلب تنويع مصادر التمويل وعدم الارتهان للتبرعات المتقطعة. ولذلك تعمل الجمعية على تحويل الفعاليات الثقافية والاجتماعية إلى منصات لبناء الشراكات وتوليد الموارد، تجمع القطاعين العام والخاص والقنصليات والمجتمع حول هدف إنساني مشترك.
ويأتي «فنجان الخير» بصفته أبرز نماذج هذا التوجه؛ فالمهرجان الذي أكمل نسخته العاشرة وتستعد «الأولى» لإطلاق نسخته الحادية عشرة، لم يعد مجرد مناسبة تجمع القهوة والشاي وثقافات الشعوب، بل أصبح مساحة للحوار والتعارف والاحتفاء بالتنوع الثقافي، ومنصة لدعم برامج الجمعية وخدمة الطفل والمجتمع.
وترى الشاعر أن قوة «فنجان الخير» تكمن في قدرته على الجمع بين الثقافة والشراكة الاقتصادية والعمل الإنساني؛ إذ أتاح بناء علاقات مع القنصليات والقطاعين العام والخاص، وتحويل الموارد والخبرات والعلاقات إلى فرص تساند استدامة البرامج. وبذلك تصبح الثقافة، في نظرها، جزءاً من الحل حين تتحول الفعالية من حدث عابر إلى منصة تصنع أثراً يتجاوز أيام انعقادها.
وتؤكد الشاعر أن رسالة المهرجان تتجاوز الاحتفاء بالقهوة والشاي إلى الاحتفاء بالإنسان نفسه، قائلة: «حين نجتمع حول فنجان، فإننا لا نتشارك مذاقاً فحسب، بل نتشارك قيمة؛ قيمة أن يكون الإنسان سنداً لأخيه الإنسان».
وتدعو الشاعر الجميع إلى المشاركة في صناعة هذا الأثر بالحضور والدعم والتطوع، أو بمشاركة الثقافات والمواهب والتجارب، مؤكدة أن المساهمة الصغيرة قد تفتح باباً كبيراً أمام طفل أو أسرة. وتقول: «لا نريد أن يكون الزائر مجرد عابر في المهرجان، بل شريكاً في رسالته».
الاستثمار في الإنسان ضمن رؤية 2030
ولا تنفصل هذه الرؤية عن التحولات التي يشهدها القطاع غير الربحي في المملكة ضمن رؤية 2030، حيث لم يعد نجاح الجمعية يقاس بعدد المستفيدين فقط، وإنما بعدد الذين تمكنوا من تغيير حياتهم والاعتماد على أنفسهم وصناعة الفرق من حولهم. فالمعيار الحقيقي، كما ترى الشاعر، هو الأثر المستدام والاستثمار في الإنسان.
وفي مسيرة «الأولى» الممتدة لأكثر من ستة عقود، ترى الشاعر أن أهم ما بقي ليس الوسائل، وإنما القيم والمبادئ وروح الوفاء التي انتقلت من جيل إلى جيل؛ مستشهدة باستمرار موظفات اخترن البقاء في الجمعية رغم توفر فرص وأجور أعلى، واستمرار دعم أبناء وأحفاد عائلات ارتبطت بالجمعية منذ عقود.
وتختصر الشاعر فلسفتها في أن التطور لا يعني التخلي عن الجذور، بل منحها قدرة جديدة على النمو؛ فالزمن قد يغير الوسائل، لكنه لا يغير القيم التي تصنع الأثر. ومن هنا يأتي «فنجان الخير» كصورة مكثفة لفلسفة «الأولى»: أن يتحول اللقاء إلى شراكة، والعطاء إلى تمكين، والثقافة إلى مورد، والمساعدة إلى قدرة، والخير العابر إلى أثر يمتد من طفل إلى أسرة، ومن أسرة إلى مجتمع.



