الرئيسيةاقتصادمن مرحلة التجهيز إلى تحقيق العوائد:...
اقتصاد

من مرحلة التجهيز إلى تحقيق العوائد: كيف توظف المؤسسات السعودية البيانات والذكاء الاصطناعي في صلب أعمالها؟

في ظل التسارع الذي تشهده عملية التحول الرقمي في المملكة العربية السعودية، تتجه المؤسسات المحلية نحو استثمار أوسع في مجالي البيانات والذكاء الاصطناعي بهدف رفع مستويات الكفاءة ودعم آليات اتخاذ القرار. في هذا السياق، استعرض السيد سابيا سين، نائب الرئيس لمنطقة الشرق الأوسط والهند وأفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ في شركة ألتيريكس، أبرز التوجهات السائدة في السوق السعودي، والصعوبات التي تعترض الشركات أثناء تبنيها لتقنيات الذكاء الاصطناعي، والسبل الكفيلة بتحويل هذه التقنيات إلى نتائج أعمال ملموسة.

تحول في النهج: من الأدوات إلى القيمة

يشير سابيا سين إلى أن المؤسسات السعودية باتت تتبنى منهجية أكثر دقة في تحديد المجالات التي يمكن للتكنولوجيا أن تحقق فيها إضافة حقيقية. فالنقاش لم يعد يدور حول مجرد الحصول على أدوات، بل انتقل إلى مرحلة الارتقاء بجودة القرارات وزيادة الإنتاجية وتحسين تقديم الخدمات في صميم العمليات التشغيلية. هذا التوجه يأتي في سياق توقعات بأن يساهم الذكاء الاصطناعي بمبلغ 135.2 مليار دولار أمريكي في اقتصاد المملكة بحلول عام 2030. ويستجيب القادة لهذا التوجه من خلال ربط المشاريع بأولويات محددة تشمل التنبؤ، والتحكم في التكاليف، وشفافية المخاطر، وتحسين الخدمات العامة، إضافة إلى دمج فرق الأعمال مع فرق تقنية المعلومات، ومنح الخبراء المتخصصين مسؤولية أكبر عن التحليلات مع إبقاء الفرق المركزية مسؤولة عن الأمن والإشراف. حالياً، تُدار أقوى برامج التحليلات باعتبارها قدرة تشغيلية، حيث ترتبط كل مبادرة بنتيجة محددة وتخضع لمساءلة واضحة.

الاستعداد والحوكمة: محور النقاش في الرياض

أوضح نائب الرئيس أن أولويات شركته في الرياض تتركز حول الاستعداد لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والحوكمة، وتحقيق نتائج قابلة للقياس. وأكد أن كبار القادة بحاجة إلى رؤية واضحة لمسارات العمل الجاهزة لنيل مزيد من الاستقلالية، وتلك التي ينبغي أن تظل خاضعة للضوابط، إضافة إلى كيفية قياس التقدم المحرز. وأضاف أن هذه المشكلات سيتم استكشافها من خلال عرض حالات استخدام متنوعة في المنطقة، ومناقشات مع العملاء، وتقديم إرشادات حول تحليلات الخدمة الذاتية المحكومة. وسيتمكن زوار جناح الشركة من مشاهدة إعداد البيانات على منصة “ألتيريكس ون”، وتجربة منطق الأعمال والأتمتة والذكاء الاصطناعي ضمن بيئة موحدة. كما ستُظهر العروض التوضيحية المباشرة، بما في ذلك وكيل الذكاء الاصطناعي الذكي “آني”، كيف يمكن لتفاعل اللغة الطبيعية أن يساعد المستخدمين في إنشاء مسارات عمل موثوقة وتشغيلها مع الحفاظ على الرؤية والتحكم. وخلص سين إلى القول إن الهدف النهائي هو تمكين القادة وتزويدهم بأفكار عملية يمكن تطبيقها فوراً، إلى جانب تقديم مسار واقعي ينتقل من العمليات اليدوية إلى العمليات المساعدة ثم الآلية وصولاً إلى المستقلة بشكل متزايد.

عقبات التوسع: غياب الهدف الاقتصادي سبب رئيسي للتعثر

أشار سابيا سين إلى أن المشاريع غالباً ما تتعثر عندما يتم اختيار استخدام الذكاء الاصطناعي دون وجود هدف اقتصادي واضح، وعندما تكون المسؤولية بعيدة عن الأشخاص الملمين بتفاصيل العمليات، مما يؤدي إلى بقاء المشاريع التجريبية الواعدة منفصلة عن العمليات اليومية. وكشفت أبحاث ألتيريكس أن 53% من المؤسسات تواجه صعوبة في ترجمة سياق الأعمال إلى أنظمة وسير عمل تعتمد على الذكاء الاصطناعي. في المقابل، تبدأ المؤسسات عالية الأداء بتحديد قرار تسعى لتحسينه، وتضع معايير لقياس النجاح، وتمنح الفرق المسؤولة صلاحية تعديل سير العمل. وتقوم هذه الفرق بتوثيق القواعد والاستثناءات والتقديرات المهنية التي يعتمد عليها الموظفون ذوو الخبرة، ثم تعمل على أتمتة الخطوات المتكررة المرتبطة بها، مع ضرورة بقاء العنصر البشري مسؤولاً عن مراجعة القرارات ذات التأثير الكبير. ويؤدي هذا الانضباط التشغيلي إلى بناء قدرات موثوقة قابلة للتوسع والتعميم عبر مختلف أقسام المؤسسة.

مفاهيم خاطئة: نموذج أقوى لا يحل مشاكل البيانات الأساسية

أوضح سين أن أحد المفاهيم الخاطئة الشائعة هو الاعتقاد بأن اختيار نموذج أكثر قوة سيحل نقاط الضعف في المعلومات الأساسية. وأكد أن النماذج رغم قدرتها على تحليل البيانات الواردة، إلا أنها لا تستطيع وضع تعريفات موحدة، أو تحديد الملكية، أو تتبع البيانات، أو وضع ضوابط وصول موحدة نيابة عن المؤسسة. فإذا تم إعداد بيانات الإيرادات أو العملاء أو المخاطر بشكل مختلف بين الأقسام، فقد تبدو النتيجة مقنعة ظاهرياً، لكن يصعب التحقق منها. لذا، فإن الجاهزية تعني إنشاء مصادر موثوقة، وقواعد موثقة، ووصولاً مُتحكماً به، وسجلاً واضحاً لكيفية تحويل المعلومات. ووفقاً لأبحاث ألتيريكس، يعتبر 49% من القادة أن البيانات المتاحة التي تتميز بالجودة العالية والمدارة بشكل جيد هي الشرط الأساسي للذكاء الاصطناعي الفاعل. وبشكل عام، تزداد الثقة عندما يتمكن المستخدمون من تتبع المخرجات وفهم المنطق الكامن وراءها.

الاستعداد للمرحلة التالية: قرارات كبيرة وعمليات متكررة

وفقاً لمخرجات بحث ألتيريكس، يعتقد 93% من قادة تقنية المعلومات أن الذكاء الاصطناعي المصمم للمؤسسات قادر على تحقيق عوائد ملموسة خلال عامين. ونصح سين المؤسسات السعودية بالبدء بتحديد القرارات ذات الحجم الكبير والعمليات المتكررة التي يمكن أن تحسن فيها زيادة الاستقلالية السرعة والتكلفة وترتقي بجودة الخدمة. وأكد أن كل استخدام يتطلب تحديد مسؤول معين، ومعايير نجاح واضحة، وصلاحيات محددة، ونقطة متفق عليها تتطلب موافقة بشرية، كما يجب توثيق قواعد العمل بوضوح، ويجب ألا تتصل الأنظمة الآلية إلا بمصادر البيانات والتطبيقات المعتمدة. وفي الوقت نفسه، شدد على أن بناء الوعي بالبيانات أمر بالغ الأهمية، حيث ستلعب فرق المالية والعمليات وإدارة المخاطر دوراً متزايداً في تشكيل كيفية عمل هذه الأنظمة. وأضاف أن الفرق التقنية يجب أن توفر مكونات قابلة لإعادة الاستخدام، وضوابط أمنية، ومراقبة مستمرة حتى لا تؤدي سير العمل الجديدة إلى تجزئة البنية التحتية التقنية.

قصة نجاح: مجموعة روشن نموذج للتطبيق الفعلي

قدم سابيا سين مثالاً على ذلك من المملكة العربية السعودية، حيث تُعد مجموعة روشن مثالاً بارزاً على كيفية تحويل البيانات والذكاء الاصطناعي إلى نتائج أعمال ملموسة. فمع توسع مشاريعها، كانت البيانات موزعة عبر مصادر متعددة، ولم تعد عمليات إعداد التقارير اليدوية قادرة على مواكبة هذا التوسع. ولذا، استخدمت الشركة منصة ألتيريكس لتوحيد البيانات وإعدادها وتحويلها ضمن مسار تدفق موحد، مما أتاح للمحللين جدولة سير العمل وتحديث التقارير عند الطلب، وهو ما يوفر أكثر من 120 ساعة عمل أسبوعياً. ويستخدم نحو نصف موظفي روشن البالغ عددهم 1,000 موظف، بمن فيهم كبار القادة، لوحات المعلومات والتقارير الشاملة التي تغطي مختلف الإدارات لأغراض التنبؤ وتحليل السوق واتخاذ القرارات الاستثمارية. كما تعكف روشن حالياً على اختبار نماذج تعلم الآلة باستخدام البيانات التاريخية لإجراء تحليلات تنبؤية. وتشكل هذه التجربة برهاناً ملموساً يثبت كيف يمكن لأساس متين ومنظم أن يحقق مكاسب فورية في الكفاءة التشغيلية، مع إتاحة المجال في الوقت ذاته لتطبيق قدرات أكثر تقدماً.