الرئيسيةعربي و عالميمحتجزو بورتسودان يضربون عن الطعام احتجازاً...
عربي و عالمي

محتجزو بورتسودان يضربون عن الطعام احتجازاً مطولاً دون محاكمة

إضراب الطعام والاحتجاز المطول

دخل مئات السودانيين المحتجزين في سجن بورتسودان صباح يوم الثلاثاء في إضراب مفتوح عن الطعام، احتجاجاً على بقائهم رهن الحبس لما يقارب عامين دون أن تُجرى لهم محاكمات عادلة وناجزة، ووصفوا الوضع بأنه “تعطيل ممنهج” للإجراءات القانونية. وأوضحت مصادر أن احتجازهم يستند إلى المادتين 50 و51 من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 المتعلقتين بتهمتي تقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة، وهما من أشد المواد التي قد تصل عقوبتها إلى الإعدام.

وبينت المصادر الحقوقية أن الغالبية العظمى من الموقوفين تم اعتقالهم تعسفياً لأسباب سياسية، وأن معظمهم من الشباب الذين شاركوا في ثورة ديسمبر، بالإضافة إلى أعضاء ومناصرين للقوى المدنية الديمقراطية وناشطين معروفين بمناهضتهم للحركة الإسلامية ونظام الرئيس السابق عمر البشير. وأضافت أن التهمة الموجهة إليهم بالتعاون مع قوات الدعم السريع أصبحت تُستخدم كاتهام جاهز يلقى على المعارضين والمختلفين سياسياً مع سلطة الجيش وحلفائها من الإسلاميين، من دون تقديم أدلة كافية أو تمكين المتهمين من حقهم في الدفاع أمام القضاء.

ويظهر استمرار احتجاز عشرات الأشخاص لفترات طويلة دون إدانتهم أو حتى إحالة بعضهم إلى المحكمة حجم الانهيار الذي لحق بمنظومة العدالة في مناطق سيطرة الجيش، حيث تتداخل الأجهزة الأمنية والسياسية مع المؤسسات العدلية، ويتحول الحبس الاحتياطي من إجراء استثنائي ومؤقت إلى عقوبة مفتوحة تُفرض خارج نطاق القانون.

الMemo القضائي والوضع الصحي

في مذكرة قانونية وإنسانية مؤرخة في 25 أغسطس، واطلعت عليها “سكاي نيوز عربية”، وموجهة إلى قائد الجيش عبد الفتاح البرهان مع نسختين إلى رئيس القضاء ووزير العدل بسلطة بورتسودان، أوضح المحتجزون أن بعضهم قضى عامين كاملين خلف القضبان دون أن يُحال إلى المحكمة. وأضافت المذكرة أن جلسات المحاكمة، بالنسبة إلى من بدأت إجراءاتهم، تتعرض لتأجيلات مستمرة بسبب الغياب المتكرر لممثلي الحق العام والمبلغين وشهود الاتهام، دون اتخاذ أي إجراءات قانونية حاسمة بحق المتغيبين.

وأكد المحتجزون أن هذا الوضع حول إجراءات التقاضي إلى “سلسلة غير منتهية من التأجيلات غير القانونية”، وأبقاهم رهائن داخل السجن من دون أساس قانوني أو موضوعي يبرر استمرار احتجازهم. وكشفت المذكرة عن وجود قاضٍ واحد فقط للنظر في قضايا 83 محتجزاً منتظراً بسجن بورتسودان، معتبرة أن هذا التكدس يجعل تحقيق العدالة أو انتظام المحاكمات أمراً شبه مستحيل.

وأشارت المذكرة إلى أن القضايا تتوقف أحياناً بسبب مرض القاضي أو خروجه في إجازة سنوية، من دون تعيين قاض بديل أو تشكيل دائرة قضائية مقيمة تتولى الفصل في القضايا العاجلة المرتبطة بحريات المحتجزين. وحذرت من أن طول مدة الاحتجاز والإهمال الطبي والتعطيل المستمر للمحاكمات أدى إلى تدهور بالغ في الأوضاع النفسية والصحية للمحتجزين، موضحة أن بعضهم وصل إلى مرحلة اليأس وفقدان الرغبة في الحياة.

كما لفتت إلى أوضاع حرجة لعدد من المرضى، средиهم مصابون بالسكري يواجه بعضهم خطر فقدان البصر نتيجة ضعف الرعاية الطبية والإهمال داخل السجن. واعتبر المحتجزون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحقهم الدستوري والقانوني في المحاكمة العادلة والناجزة، مؤكدين أن الحبس الاحتياطي، الذي يفترض أن يكون إجراءً مؤقتاً واستثنائياً، تحول إلى عقوبة مسبقة وممتدة من دون حكم قضائي.

المطالب بالعفو وإصلاح القضاء

وطالب المضربون بمقابلة قائد الجيش لعرض تفاصيل أوضاعهم الإنسانية والقانونية، إما بتقديمهم لمحاكمة عادلة أو issuing عفو عام يشمل جميع المحتجزين في القضايا ذات الصلة الذين أمضوا فترات طويلة في الحبس من دون إدانة قضائية أو إحالة إلى المحاكم. واستندت المذكرة إلى قرارات عفو سابقة شملت شخصيات وأطرافاً متعددة، من بينهم أبو عاقلة كيكل والنور قبة والسافانا وإبراهيم بقال، معتبرة أن مبدأي العدالة والمساواة يقتضيان عدم انتقاء المستفيدين من قرارات العفو على أساس الولاء السياسي أو العسكري.

وأكدت المذكرة أن “العدالة لا تتجزأ”، وأنه ليس من المنطقي إصدار عفو عن أشخاص ينظر إليهم بوصفهم فاعلين رئيسيين، بينما يستمر احتجاز آخرين بالشبهات، من دون محاكمات أو أحكام قضائية. وفي حال تعذر إصدار عفو شامل، طالب المحتجزون رئيس القضاء بسلطة بورتسودان بالتدخل الفوري لتشكيل دوائر قضائية وتعيين قضاة متفرغين في بورتسودان، ووضع سقوف زمنية صارمة لإنهاء المحاكمات، وحسم مسألة تخلف شهود الاتهام والمبلّغين، إلى جانب توفير تدخل طبي عاجل للحالات الحرجة.

وبذلك لا يكشف الإضراب عن معاناة عشرات المحتجزين فحسب، بل يفضح منظومة حكم تستخدم السجن بديلاً عن المحاكمة، والاتهامات الجاهزة سلاحاً ضد الخصوم، والقانون غطاءً للانتقام السياسي. ففي ظل سلطة الجيش المتحالفة مع الحركة الإسلامية، بات الاختلاف السياسي كافياً للزج بالأشخاص خلف القضبان، بينما تغيب الدولة وينهار القضاء وتُهدر العدالة؛ ليبقى معتقلو بورتسودان رهائن بلا أحكام، يدفعون من حرياتهم وصحتهم ثمن معارضتهم للحرب ورفضهم عودة نظام البشير.