الرئيسيةكتاب و آراءلا معادلة للإبداع.. رحلة مخرج سعودي...
كتاب و آراء

لا معادلة للإبداع.. رحلة مخرج سعودي في البحث عن سر الفيلم العظيم

كلما ظننت أنني اقتربت من صياغة الفيلم العظيم، أدركت أنني أضفت متغيراً جديداً إلى المعادلة. هذا ما يعيشه مخرج ومنتج سعودي منذ تحوله إلى صناعة الأفلام، حيث ظل سؤال واحد يلاحقه: ما الذي يصنع فيلماً عظيماً؟

رحلة البحث عن معادلة الفيلم العظيم

في البداية، بدت الإجابة محصورة في التقنية: كاميرات أفضل، عدسات أبهى، صورة أكثر إبهاراً. لكن سرعان ما تبين أن التقنية وحدها لا تصنع الفارق. ثم انتقل الظن إلى المونتاج، وإتقان الأدوات، قبل أن يقنعه أصحاب الخبرة بأن القصة هي الأساس، وأن ما عداها مجرد تحسينات.

وهكذا بدأ القراءة. “أنقذ القط”، “قصة”، “تشريح القصة”، “البطل ذو الألف وجه”، “إنجيل كاتب السيناريو”. القائمة نفسها التي يوصي بها الجميع تقريباً. لكن السؤال بقي: إذا كان معظم صناع الأفلام الجادين يقرؤون الكتب ذاتها، فلماذا لا تتكرر الروائع؟ فاتسعت دائرة البحث لتشمل الأدب، دوستويفسكي، كامو، الفلسفة، علم النفس، والعلوم الاجتماعية. لم يعد الهدف مجرد قصة أفضل، بل فهم الإنسان الذي يكتبها.

من التقنية إلى القصة إلى الحدس

يتذكر المخرج حضور ورشة لكتابة السيناريو في بداية رحلته، حيث شرح المدرب بثقة احتياجات الشخصية، وقوسها الدرامي، ونقاط التحول، والإيقاع. خرج يومها وهو يشعر أنه أمسك بطرف الخيط. لكن مع السنوات، عاد السؤال: إذا كانت هذه المبادئ معروفة بهذا الوضوح، فلماذا لا ينتهي كل هذا التعليم بعمل عظيم؟

عندها بدأ يميز بين أمرين مختلفين تماماً: فهم لماذا نجح عمل عظيم، ومعرفة كيف نصنع العمل العظيم التالي. كل روائع السينما شُرحت، لكن لم يُعاد صنع أيٍّ منها. نحن بارعون في تفسير النجاح بعد وقوعه، وأقل براعة بكثير في التنبؤ به قبل حدوثه.

لماذا لا تنجح الوصفات الجاهزة؟

لا يعني هذا أن القصة أو التقنية أو المونتاج أو فهم الجمهور أو التسويق أو حتى الذكاء الاصطناعي ليست ذات قيمة. بل على العكس، كلها أدوات حقيقية، لكنها لا تصنع النجاح، وإنما تحسن احتمالاته. وهذا لا يقتصر على السينما. في عالم التقنية، كانت شركات مثل نوكيا وبلاك بيري ومايكروسوفت تملك البيانات نفسها عن السوق، وتراقب احتياجات المستخدمين كما يفعل الجميع، لكن ذلك لم يكن كافياً لصناعة الآيفون. المشكلة لم تكن نقصاً في المعلومات، بل في القدرة على رؤية ما لم يكن واضحاً بعد. المعلومات متاحة للجميع، لكن الرؤية ليست كذلك.

ومع الوقت، بدأت تتضح مفارقة أخرى. كل المخرجين الذين يحب أعمالهم مختلفون في أساليبهم وشخصياتهم وأفكارهم وحتى القواعد التي يؤمنون بها، لكنهم جميعاً يشتركون في شيء يصعب تعريفه. يسميه الفنانون “الذوق”، وفي علم النفس يقترب من “الحدس”، وفي فلسفة المعرفة يظهر تحت اسم “المعرفة الضمنية”، وفي التصميم يسمى “الحكم”. أسماء مختلفة لوصف القدرة نفسها: اتخاذ القرار الصحيح حين لا توجد قاعدة تخبرك بما يجب أن تفعله. المعرفة يمكن تعلمها، أما الحكم فلا يُلقّن. وهذا ما يسميه الكاتب “الحدس الإبداعي”.

الحدس الإبداعي.. المعرفة التي لا تُعلّم

أثناء القراءة في هذا الموضوع، لفت انتباهه ما كتبه الاقتصادي الأمريكي ريتشارد كيفز بعد سنوات من دراسة الصناعات الإبداعية. اختصر إحدى أهم خصائصها في عبارتين: “لا أحد يعرف”. لم يكن يقصد أن النجاح عشوائي، بل أن أحداً لا يستطيع التنبؤ به بشكل موثوق. يمكننا تحسين الاحتمالات وتقليل الأخطاء، لكننا لا نستطيع إزالة عدم اليقين. وعندما قرأ ذلك، شعر أنه وجد التعبير الأدق عن فكرة كان يلاحقها لسنوات.

لذلك، لم تعد الكتب بالنسبة له بحثاً عن وصفة، بل أصبحت وسيلة لصقل حدسه الإبداعي. كل كتاب، وكل فيلم، وكل تجربة، وكل خطأ، لم يكن يقرّبه من معادلة النجاح، بل كان يحسن قدرته على اتخاذ القرار عندما لا توجد معادلة.

ومن بين ما قرأ أيضاً، توقف عند مقولتين لأحد أعظم مخرجي السينما، أكيرا كوروساوا. الأولى: “الإبداع هو الذاكرة”. وكأن الإبداع ليس شيئاً يولد من فراغ، بل حصيلة كل ما قرأناه وعشناه وشاهدناه. أما الثانية، فبقيت عالقة في ذهنه: بعد مسيرة غيّرت تاريخ السينما، قال: “أظن في المرة القادمة سأصنع شيئاً جيداً”. إذا كان أحد أعظم المخرجين في التاريخ قد أمضى حياته وهو يشعر أن أفضل أعماله ربما يكون العمل القادم، فربما لم يكن يبحث عن معادلة، بل كان يصقل حدسه الإبداعي في كل مرة.

اليوم، لم يعد يؤمن بالوصفات السحرية. ما زال يؤمن بأهمية دراسة القصة وعلم النفس وسلوك الجمهور والتقنية والتسويق وكل ما يمكن تعلمه. لكنه أصبح يؤمن أيضاً أن هناك لحظة لا يستطيع فيها أي كتاب أو أي دراسة أو أي خوارزمية أن تخبرك بما يجب أن تفعله. في تلك اللحظة، لن يبقى أمامك إلا حدسك الإبداعي: أن تصنع العمل الذي تتمنى لو كنت أنت أول من شاهده، أن تستمع لكل الآراء ثم تمتلك الشجاعة لتتبع ما تؤمن به عندما يحين وقت القرار. وربما لو كانت هناك معادلة، لما بقي الإبداع إبداعاً.