ثانوية قهرمان مرعش العريقة تواصل إرثها الأدبي بعد زلزال 2023

في مدينة قهرمان مرعش جنوبي تركيا، التي ارتبط اسمها بالشعر والأدب، تواصل ثانوية الأناضول قهرمان مرعش حمل إرث ثقافي وتعليمي يعود إلى أواخر العهد العثماني. أسهمت المدرسة، على مدى أكثر من قرن، في تنشئة أجيال من الأدباء والمفكرين الذين تركوا بصماتهم في الحياة الثقافية التركية.
تقع المدرسة في منطقة دول قادر أوغلو، وأصبحت جزءاً من الذاكرة الأدبية للمدينة التي انضمت إلى شبكة اليونسكو للمدن المبدعة في مجال الأدب عام 2025.
زلزال 2023 لا يوقف المسيرة التعليمية
على الرغم من الدمار الذي لحق بمبناها التاريخي جراء زلزالي 6 فبراير/شباط 2023، لم تتوقف المدرسة عن أداء رسالتها التعليمية. فهي تواصل استقبال طلابها في المبنى القديم لمدرسة ضياء كوك ألب الابتدائية بالمنطقة نفسها، بالتزامن مع استمرار أعمال بناء مقرها الجديد، في مشهد يعكس تمسك المؤسسة بإرثها ومواصلة دورها في إعداد أجيال جديدة.
ضرب زلزالان بقوة 7.7 و7.6 درجات جنوبي تركيا وشمالي سوريا في 6 فبراير/شباط 2023، تبعتهما آلاف الهزات الارتدادية، مما خلّف خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات. تركزت الكارثة في ولاية قهرمان مرعش وامتدت إلى 11 ولاية تركية، وأسفرت عن وفاة أكثر من 50 ألف شخص.
تاريخ عريق من التسميات المتعاقبة
بدأت المدرسة مسيرتها قبل حرب الاستقلال التركية باسم “إعدادية مرعش”، ثم عُرفت في العهد الجمهوري باسم “مدرسة مرعش السلطانية”، ثم “ثانوية مرعش” عام 1948. وفي عام 1965، تغير اسمها إلى “ثانوية قهرمان مرعش”، بعد أن مُنحت المدينة لقب “قهرمان” (البطل) بقرار من البرلمان التركي عام 1973، تكريماً لمقاومة سكانها الاحتلال الفرنسي خلال حرب الاستقلال التركية، التي أسهمت في انسحاب القوات الفرنسية في فبراير/شباط 1920. منذ عام 2013، تحمل المدرسة اسمها الحالي: ثانوية الأناضول قهرمان مرعش.
الرجال السبعة الجميلون ومجلة “حملة”
تبرز في تاريخ الأدب الحديث للمدينة مجموعة من الشعراء والكتّاب عُرفوا باسم “الرجال السبعة الجميلين”، وهم: نوري باكديل، وأردم بايزيد، وجاهد ظريف أوغلو، وراسم أوزدن أورن، وعلاء الدين أوزدن أورن، ومحمد عاكف إينان، وعلي كوتلاي. تقاطعت مسارات هؤلاء الأدباء خلال سنوات شبابهم في قهرمان مرعش، وشكّلت أجواء ثانوية مرعش جانباً مهماً من بدايات رحلتهم الأدبية. كما أسهمت مجلة “حملة” (Hamle)، التي صدرت في المدرسة لسنوات طويلة، في توفير مساحة فكرية وأدبية للشباب المهتمين بالكتابة آنذاك.
مدير التعليم: إرث يتجاوز حدود المدرسة
في حديث للأناضول، قال مدير التعليم في ولاية قهرمان مرعش، طوران أق بينار، إن المدرسة تحتل مكانة مهمة في الحياة الثقافية والأدبية للمدينة، وأسهمت على مدى سنوات طويلة في تخريج شخصيات بارزة في مجالات الأدب والثقافة. وأوضح أن أهمية المدرسة لا تقتصر على عراقة تاريخها، بل تشمل إسهام خريجيها في تشكيل الذاكرة الثقافية للمدينة، مشيراً إلى أن تاريخها تجاوز حدود المؤسسة التعليمية ليصبح جزءاً من تاريخ قهرمان مرعش الثقافي.
وأضاف أق بينار أن المدرسة بدأت مسيرتها باسم “إعدادية مرعش”، ثم عُرفت باسم “مدرسة مرعش السلطانية”، ثم “ثانوية مرعش” عام 1948، فـ”ثانوية قهرمان مرعش” عام 1965، وأخيراً “ثانوية الأناضول قهرمان مرعش” عام 2013. وأشار إلى أن قهرمان مرعش تعد من المراكز الأدبية المهمة في تركيا، حيث ازدهرت فيها مجالات الشعر والقصة والفكر، لافتاً إلى أن إدراجها ضمن شبكة اليونسكو للمدن المبدعة في مجال الأدب عام 2025 يعكس الاعتراف الدولي بتقاليدها الأدبية العريقة.
ولفت أق بينار إلى أن أثر المدرسة لم يقتصر على الأدب والثقافة، بل امتد إلى مجالات السياسة والعلوم والرياضة والعمل العام والأعمال، وتخرج فيها أشخاص تولوا مسؤوليات مهمة في هذه القطاعات.
وأوضح أن مبنى المدرسة تعرض لأضرار كبيرة جراء زلزالي 6 فبراير/شباط 2023، قبل أن يُهدم بسبب حجم الأضرار، ما اضطر الإدارة إلى نقل أنشطتها التعليمية إلى المبنى القديم لمدرسة ضياء كوك ألب الابتدائية. وأضاف أن أعمال بناء المبنى الجديد لا تزال مستمرة، معرباً عن أمله في أن يواصل هذا الصرح دوره في إعداد أجيال جديدة من الشعراء والكتّاب والعلماء والفنانين.
وتابع أق بينار: “ستنمو في أروقة المدرسة التي يجري بناؤها اليوم مواهب المستقبل في الشعر والكتابة والعلوم والفنون. وربما تُكتب هنا قصيدة جديدة، أو تبدأ حكاية جديدة، وتحمل أجيال جديدة هذا الإرث العريق إلى آفاق أبعد”. وأكد أن الإرث الذي حملته المدرسة عبر تاريخها، إلى جانب المكانة الأدبية التي تتمتع بها قهرمان مرعش بصفتها مدينة أدب ضمن شبكة اليونسكو للمدن المبدعة، يشكلان أساساً لمواصلة دورها الثقافي والتعليمي. وختم بالقول إن ثانوية الأناضول قهرمان مرعش، بما تحمله من تاريخ عريق وشخصيات بارزة تخرجت فيها ومكانة راسخة في الذاكرة الثقافية للمدينة، ليست مجرد شاهد على الماضي، بل مصدر إلهام للأجيال المقبلة.










