الرئيسيةعربي و عالميانتشار الفكرة التي تهاجم مهنة الطب...
عربي و عالمي

انتشار الفكرة التي تهاجم مهنة الطب وتروج للحمية كبديل علاجي

في السنوات القليلة الأخيرة ظهر مفهوم جديد يروج لفكرة أن العلاجات الطبية مجرد خدعة، وأن الأمراض ليست سوى أوهام، ويعد المتبعين للمنهج الغذائي ببدون أدوية بالشفاء التام. يعتمد هذا الاتجاه على نظام غذائي يُحذف فيه بعض أصناف الطعام ويُضاف بدائل أخرى، ويستند إلى قصص نجاح حقيقية أو مبالغ فيها لتقوية المصداقية.

نشر الفكرة وتضخم الثقة فيها

مع كل حالة يُروى فيها شفاء أو تحسّن ملحوظ، ارتفع عدد من يعتقدون أن الطب الحديث مجرد مصلحة تجارية تُخفي عن الناس العلاج الحقيقي. يتداولون فكرة أن أول ما يتعلمه طالب الطب هو أن إنقاذ المريض يعني خسارة للطبيب، لذا يُشجّعون المرضى على الانتقال من دواء إلى آخر، ومن عيادة إلى أخرى دون جدوى.

حدود الفائدة الغذائية

لا إنكار لفائدة النظام الغذائي المتوازن في الوقاية من كثير من الأمراض، غير أن الاعتماد عليه كعلاج وحيد لا يُجدي نفعاً عندما يتفاقم المرض. يتساءل البعض عن سبب تزايد عدد المتبعين لهذا النظام، وتتنوع الحكايات التي تُروى لتبدو مقنعة، فمثلاً تجنّب منتجات الحليب والورق قد يخفف من أعراض القولون، لكن هل يمنع ذلك التهابات المناعة أو تراكم الكوليسترول في شرايين القلب أو يخفف العبء عن الكلى؟ الجواب واضح: لا، بل قد يضر الأنسجة على المدى الطويل.

آثار الاعتماد على الحمية على المرضى

عدد من المرضى المصابين بالسكري أوقفوا أدويةهم معتقدين أن الحمية الغذائية تكفي، بينما تأخروا في الحصول على العلاج المناسب. كذلك، بعض المصابين بالسرطان ضيعوا فرص التشخيص المبكر متوقعين وصفات سحرية من الأعشاب. ولا يقلّ الحال سوءاً بين من يعانون من ضغط الدم أو أمراض القلب أو الصرع عندما يقتنعون بأن الأدوية هي العدو وليس المرض نفسه، فينتهي بهم المطاف إلى تدهور حالتهم.

دور وسائل التواصل في تضخيم الفكرة

غالباً ما تظهر قصص الناجين فقط على المنصات الرقمية، في حين يغيب صمت أولئك الذين فقدوا وظائف أعضائهم أو أصيبوا بإعاقات دائمة أو رحلوا إلى رحمة الله، لأنهم لا يملكون حسابات لنشر روايتهم. هذا الاختلاف يجعل المتابعين يرون تحسينات قليلة ولا يدركون من اختفى، فيستمر العدد المتزايد للمنضمين إلى النظام الذي كان غير معروف للعديد.

تتحول المناقشات إلى ردود مطولة ومقالات، ويصبح الاسم مرتبطاً بالجدل في كل مكان. بعض الأشخاص يدخلون للمعارضة، وآخرون بدافع الفضول أو بحثاً عن حلول لمشاكلهم الصحية، لكن النتيجة تتكرر: انتشار الفكرة.

تتجلى مفارقة أخرى في أن نشر الأفكار التي نؤمن بها قد يساهم في توسيع نطاق ما نعارضه. كل معارضة أو إعادة نشر بهدف التحذير، أو حتى سخرية، قد تتحول إلى إعلان مجاني لفكرة كانت لتظل في زاوية من الإنترنت لولا الضجيج الذي أُعطي لها. الناس بطبيعتهم ينجذبون إلى ما يثير الجدل؛ ما إن يُسمع أن هناك فكرةً «ممنوعة» أو «محاربة»، حتى يتجهوا للبحث عنها واكتشافها. الضوء الذي نسلّطه على الفكرة قد يكون أقوى من الفكرة نفسها.

ليس القصد التشكيك في القائمة الغذائية أو النصائح التي تفتقر إلى الأدلة، بل هو زرع الشك في نفوس الناس تجاه الطب والأطباء، لتصبح الصورة السائدة للطبيب «تاجر للمرض» بدلًا من شريك في مكافحته. عبر المنصات الاجتماعية، يصبح من السهل نشر قصة بسيطة تُظهر الأطباء كمن يربحون من المرض، ما يجعلها سهلة التصديق وتُعطي الناس عدواً واضحاً.

عندما يقتنع المريض بأن الطبيب لا يرغب في شفائه، يصبح أكثر استعداداً لتصديق أي بديل، مهما كان ضعيف الدليل. تتسلل بذلك مرحلة تأخر التشخيص، وإيقاف الأدوية، والاعتماد على الوعود السهلة، ما يجعل المرض أقوى وأقل قابلية للعلاج. وعلى مر العصور، فقد الكثير من الناس حياتهم بسبب الأمراض، ولكن بعضهم هلك أيضاً نتيجة فقدان الثقة بمن كانوا يسعون لإنقاذهم.