مدرسة 'طاش مكتب' في إسطنبول.. من مقاعدها انطلق أدباء وقادة عسكريون

على مقربة من مسجد الفاتح في إسطنبول، تواصل مدرسة “طاش مكتب” استقبال الطلاب منذ 157 عاماً، بعد أن شهدت مقاعدها أدباء وقادة عسكريين تركوا بصماتهم في التاريخ. ورغم تعاقب العقود، صمد المبنى العثماني بفضل أعمال ترميم وتدعيم متواصلة.
موقع تاريخي في قلب إسطنبول
يقع مبنى المدرسة بالقرب من المدخل المطل على قصر طوب قابي لمسجد الفاتح، ضمن الأراضي الوقفية التي خصصها السلطان محمد الفاتح للأغراض الدينية والاجتماعية وفق نظام الوقف العثماني. ويشتهر المبنى بين سكان المنطقة منذ عقود باسم “طاش مكتب” أي المدرسة الحجرية، ويضم حالياً مدرسة الفاتح الإعدادية للأئمة والخطباء.
من الرشدية العسكرية إلى إعدادية الأئمة
شيد المبنى عام 1869 في عهد السلطان عبد العزيز ليكون مدرسة للرشدية العسكرية، وهي مرحلة تعليمية تقارب الإعدادية في النظام العثماني، وكانت مخصصة لإعداد الطلاب للمسار العسكري. وجاء افتتاحها ضمن جهود إدخال نماذج تعليمية أوروبية إلى المدارس العسكرية العثمانية. بدأت المدرسة نشاطها باسم “رشدية الفاتح العسكرية”، وفي العام نفسه افتتحت مدارس مماثلة في بشيكطاش وقباطاش وأوسكودار وقوجه مصطفى باشا.
من أبرز الشواهد الباقية من تلك المرحلة نقش حجري فوق بوابة المدخل يعود إلى عام 1869، يحمل نصاً من عهد السلطان عبد العزيز يشير إلى افتتاح مدارس عسكرية في إسطنبول وبغداد وسوريا بهدف نشر العلم وضمان مستقبل البلاد. النقش الذي خطه خطاط باسم “حسني” يوضح أن الهدف هو “إعداد أفراد مثقفين يحسنون استغلال وقتهم ويقدمون خدماتهم لمختلف فئات المجتمع”. وما زال طلاب المدرسة يمرون من تحت هذا النقش التاريخي يومياً كما فعل طلاب الرشدية قبل أكثر من 150 عاماً.
لم تحتفظ المدرسة باسمها الأول، بل تغير اسمها عدة مرات بتوافق مع التحولات في نظام التعليم التركي. فبعد الرشدية العسكرية، تحولت إلى “رشدية كوبريللي”، ثم مدرسة الفنون للبنات، ورشدية عبد العزيز، ومدرسة الفاتح الثالثة عشرة، ومدرسة الفاتح الابتدائية. ومع رفع مدة التعليم الإلزامي إلى ثمانية أعوام عام 1997، أصبحت “مدرسة الفاتح للتعليم الأساسي”. وفي العام الدراسي 2012-2013، تحولت إلى “مدرسة الفاتح الإعدادية للأئمة والخطباء”، وهو اسمها الحالي. وهكذا، حافظ المبنى على وظيفته التعليمية عبر العصور رغم تغير هويته ومراحله.
صمود أمام الزلازل وترميمات متعاقبة
شهدت المدرسة على مدار 157 عاماً عدة عمليات ترميم وتدعيم، أبرزها ما أعقب زلزال عام 1967 الذي ألحق أضراراً كبيرة بالمبنى، وأجريت ترميمات واسعة خلال عام مع الحفاظ على الشكل التاريخي. وفي عام 1982، واجه المبنى خطر الانزلاق الأرضي باتجاه الشارع بسبب أعمال إنشائية في المنطقة، فجرى تدعيم أساسات الواجهة باستخدام تقنية الدعائم الأسطوانية. وقبل نحو 17 عاماً، خضع المبنى لأعمال تدعيم إضافية، مع استمرار العملية التعليمية خلال جميع مراحل الترميم.
خريجون بارزون في الأدب والجيش والفن
على مدى تاريخها الممتد، جلست على مقاعد المدرسة شخصيات أصبحت لاحقاً من الأسماء المؤثرة في تركيا. من بينهم الشاعر محمد عاكف أرصوي، مؤلف النشيد الوطني التركي، والقائدان العسكريان البارزان في حرب الاستقلال كاظم قره بكير وفوزي جاقماق، والأديب والصحفي الشهير رفيق خالد قاراي. وما زالت الفصول التاريخية التي تلقى فيها طلاب الرشدية دروسهم تستقبل اليوم طلاب مدرسة الفاتح الإعدادية للأئمة والخطباء.
وفي تصريحات للأناضول، قال مدير المدرسة أنغين لافجي إن المدرسة واصلت نشاطها التعليمي رغم أعمال الترميم والتدعيم. وأوضح أن المظهر الخارجي للمبنى حافظ على ملامحه التاريخية حتى اليوم، مع إجراء ترميمات دورية للحفاظ على خصائصه. وأضاف أن العمل في هذه المنطقة التاريخية التي تضم ضريح السلطان محمد الفاتح ومسجد الفاتح يحمل معنى خاصاً للعاملين. وتابع: “يسعدنا أن نكون في مثل هذا المكان، وفي مثل هذا الكنز المعنوي. وحتى الأشخاص الذين يأتون من خارج المنطقة يقولون إنهم يشعرون هنا بمعنويات ودوافع مختلفة”. واختتم قائلاً إن المدرسة خرّجت أسماء بارزة تركت بصماتها في تاريخ الأدب والطب والفن والموسيقا والمجال العسكري.










