كيف تتحوّل الترقية داخل المؤسسات إلى فخٍ يضعف الموهبة

تتكرر في معظم الشركات حكاية موظف متميّز: سريع، دقيق، قادر على إنجاز ما يعيق غيره، ويستبق المشكلات قبل أن تتفاقم. عندما يقرّر المديرون تكريمه، تُعقد مراسم الترقية التي تتضمن تصفيقاً جماعياً، تهنئة عامة، منح لقب جديد، وربما مكتباً أوسع. ما يبدو في البداية كاحتفال بالإنجاز يتحوّل في كثير من الأحيان إلى بداية تدهور صامت.
الانحدار الخفي بعد الترقيّة
ليس الانحدار مفاجئاً؛ فهو يتسلل ببطء. بعد أشهر قليلة يبدأ الموظف الذي كان يلمع في الميدان يُظهر علامات انخفاض الإنتاجية، وتزايد التوتر، وسلوك دفاعي كأنّه فقد بوصلة عمله. يزداد ظهوره في الاجتماعات بينما يتناقص أثره في النتائج الفعلية. يشعر فريقه بالارتباك، ويشتكي الزملاء من تشتت القرارات، وانعدام الحسم، وتغيّر المزاج الذي لم يكن موجوداً من قبل. وتنتقل الأسئلة إلى الإدارة: «ماذا حدث له؟ لماذا تغيّر سلوكه؟»
قصة واقعية من الواقع المؤسسي
هذه الظاهرة ليست خيالاً. فقد سمعنا مؤخراً من مدراء يصفون حالة موظف كان الأفضل في فريقه، يعتمدون عليه في كل شيء. بعد ترقيته، تحول أداؤه إلى ما هو غير مفهوم: أصبح أقل مرونة، أكثر حساسية، وأحياناً أكثر عصبية. لم يتمكّن الزملاء من تفسير السبب، وكانوا يعتقدون أن الترقية تمثل فرصة ذهبية، لكنهم أدركوا أنهم نقلوا شخصاً ناجحاً إلى دور لا يتناسب مع قدراته، ثم تركوه يَتَخَبَّط وحده.
مبدأ بيتر وتداعياته
هنا يبرز ما يُعرف بـ«مبدأ بيتر»، وهو فكرة تقول إن الأفراد يُرقّون بناءً على نجاحهم في وظائفهم السابقة حتى يصلوا إلى مستوى لا يتقنون فيه، فيتوقفون عند حد عدم الكفاءة. لا يُقصد بهذا اتهام الفرد، بل هو إدانة لنظام ترقية يخلط بين الأداء الفردي والقدرة القيادية، وبين الإنجاز الفني والاستعداد الإداري والنفسي.
الترقية كجائزة لا كوظيفة
في كثير من الشركات لا تُعدّ الترقية انتقالاً مهنياً بل تُعامل كجائزة. تُدفع الموظفة المتميزة إلى بيئة مختلفة تماماً: بدلاً من إدارة المهام التقنية، تُصبح مسؤولة عن إدارة الأشخاص، حل النزاعات، بناء الثقة بدلاً من تحقيق الأرقام. عندما يواجه الشخص صعوبة في أداء هذه المهام الجديدة بنفس البراعة التي كان يُظهرها في دوره السابق، يُصبح كأنّنا نطلب من أسرع عدّاء في الفريق أن يتحول فجأة إلى مدرب، ثم نلومه لعدم إتقانه رفع معنويات الآخرين.
تدريب القادة وتوزيع الفرص
كما أوضح الكاتب نافيو كوك في مقاله «التدريب القيادي لا يجب أن يقتصر على أصحاب الأداء العالي»، تُمنح أكبر فرص التطوير والتدريب لمن هم أصلاً الأكثر خبرة وأعلى أداءً، بينما يُحرم باقي الموظفين من فرص قد تُعيد تشكيل مساراتهم. يصبح التدريب امتيازاً للنخبة، لا استثماراً يُوزّع بعدالة على من يحتاجه حقاً.
آثار ثقافية سلبية
هذه السياسة لا تُنتج مديراً متعثراً فحسب، بل تُخلق ثقافة مريضة. المدير الذي لم يتلق تدريباً مبكراً يميل إلى تعويض ضعفه بالسيطرة المفرطة، ويغطي ارتباكه بالمراقبة المكثفة، فتتحول بيئة العمل إلى مساحة خوف بدلاً من مساحة ثقة. ما يترتب على ذلك من انخفاض الولاء، ضعف المبادرة، وتآكل الحماس لا يُظهره أي تقرير مالي، لكنه يُدفع ثمنه من قبل الجميع.
إعادة تعريف الترقية
الحل ليس إلغاء نظام الترقيات، بل إعادة صياغته. يجب أن تُصبح الترقية مسؤولية لا جائزة، واختياراً مدروساً لا عادةً سنوية. يحتاج النظام إلى مسارات مهنية للخبراء لا تُجبرهم على الانتقال إلى الإدارة من أجل الحصول على التقدير. كما يلزم بدء التدريب القيادي مبكراً، قبل وضع الفرد في موقع لا يعرف كيف يتنفس فيه.
بهذا تتحول الترقية من فخٍ يقتل الموهبة إلى أداة تمكين تُعزز الإبداع وتدعم النمو المستدام داخل المؤسسات.



