الولايات المتحدة تُعيد ترتيب استراتيجيتها في لبنان وسط تصاعد التوترات مع طهران

يعود لبنان إلى دائرة الاهتمام الأمريكية مع تصاعد التوتر مع طهران، حيث تُعَدّ الحكومة اللبنانية محور الرهان الأميركي، بينما تمسك طهران بجهة حزب الله. تتصاعد الضغوط الأميركية لإجبار الحزب على التخلي عن سلاحه، ما يسلط الضوء على دور الجيش اللبناني، في ظل مطالب متزايدة في الكونغرس بربط المساعدات العسكرية الأميركية بخطوات ملموسة لضمان حيازة السلاح من قبل الدولة.
البيان المشترك بين لبنان وإسرائيل
جاءت مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل لتسفر عن بيان أول من نوعه يشتمل على وقف لإطلاق النار مشروط بتعليق هجمات حزب الله وسحب عناصره من المنطقة الجنوبية الواقعة جنوب نهر الليطاني. كما تضمن الاتفاق إنشاء “مناطق تجريبية” تُدار حصرياً من قبل الجيش اللبناني بالتنسيق مع الولايات المتحدة.
وصف دايفيد هيل، السفير الأميركي السابق لدى الأردن ولبنان والمبعوث الخاص للشرق الأوسط، البيان بأنه انعكاس للدروس المستفادة من وقف إطلاق النار السابق، حيث لم يكن الجيش اللبناني حينها جاهزاً لخوض مواجهة مباشرة مع حزب الله. وأشار إلى أن النص الجديد يتسم بعقلانية أكبر، موضحاً أن المناطق التجريبية ستمكن من اختبار قدرة الجيش على السيطرة الفعلية، وأن سحب قوات حزب الله من جنوب نهر الليطاني سيكون حقيقياً لا شكلياً، وأن إسرائيل ستستجيب لتقدمات الجيش اللبناني في نقل المسؤوليات الأمنية إلى اللبنانيين عندما يصبحون مستعدين.
دور الولايات المتحدة في المناطق التجريبية
أوضح دايفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية السابق لشؤون الشرق الأدنى في عهد الإدارة الأولى للترمب، أن المناطق التجريبية ستشمل الأراضي التي طهرتها إسرائيل من عناصر حزب الله وممتلكاته العسكرية، لتسلمها للجيش اللبناني. وأكد أن الجيش سيتحمل مسؤولية منع عودة هذه المناطق إلى سيطرة الحزب، مشيراً إلى أن التقييم الأميركي سيحدد ما إذا كان الجيش ينجح أو يحتاج لجهود إضافية. وفي حالة النجاح، سيُعطى الجيش المزيد من المناطق، ما سيسمح لسكان الجنوب، لا سيما الشيعة، بالعودة إلى منازلهم، متوقعاً أن يحظى ذلك بقبول واسع.
وأشار شينكر إلى أن توسيع مسؤولية الجيش سيولد مطالباً إسرائيلياً بإجراءات متبادلة، مشيراً إلى أن هذا التبادل سيضع عبئاً كبيراً على الجيش اللبناني لتفادي الاشتباكات الحتمية مع حزب الله، وهو ما تسعى الخطة الأميركية إلى تجنبه.
تحليل المسؤولين الأميركيين
من جهته، أوضح دانييل شنايدرمانن، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي ومستشار مكافحة الإرهاب السابق في وزارة الخارجية الأميركية، أن هناك عدة سبل يمكن للولايات المتحدة من خلالها أن تلعب دوراً فعالاً، من بينها تبادل المعلومات الاستخباراتية ضمن آلية محددة. وحذر من احتمال نشوب مواجهة بين الجيش وحزب الله، مشدداً على أن نزع سلاح الحزب لن يكون سهلاً نظراً لتقواه وشراكته مع الولايات المتحدة، وأن الإرادة السياسية ستظل العامل الحاسم.
أكد هيل أن الجيش اللبناني يمتلك نظرياً القدرة الفنية للتصدي لأي تهديد داخلي، لكنه شدد على أن الإرادة السياسية هي العنصر الأساسي، مشيراً إلى أن الجيش يعكس الانقسامات الطائفية والتوترات القائمة في لبنان، ما أدى إلى تباطؤه عن توقعات واشنطن. ومع ذلك، استبعد هيل احتمال حدوث صدام مباشر بين الجيش وحزب الله إذا تم الإعلان بوضوح عن سيطرة الجيش على منطقة تجريبية، متوقعاً مناقشات سياسية مكثفة بين الفصائل اللبنانية ورئيس مجلس النواب نبيه بري وحزب الله لتحديد مدى استعداد الحزب للانسحاب طوعاً.
آفاق التعاون العسكري الأميركي
أبدى هيل أمله في أن يتجاوز الدور الأميركي مجرد المراقبة وتبادل المعلومات، داعياً إلى وجود ضباط أمريكيين يعملون جنباً إلى جنب مع زملائهم اللبنانيين لتقديم المشورة العملية وتوفير دعم معنوي للجنود، دون أن يكون ذلك في الخطوط الأمامية أو في دور قتالي. وأكد أن الولايات المتحدة ينبغي أن تستغل العلاقات المتينة التي بنتها على مدى عقود مع الجيش اللبناني.
وشاركن شينكر في هذا الرأي، معتبرًا أن المشاركة العسكرية الأميركية يجب أن تكون عميقة، ليس عبر إرسال قوات برية، بل عبر دمج مستشارين أمريكيين في مراكز القيادة لتقديم النصائح اليومية حول تخفيف أو تصعيد التوترات. وأشار إلى أن الجيش اللبناني أظهر أداءً مميزاً في نهر البارد عام 2007 عندما عانى من نقص المعدات وتدخلت الولايات المتحدة بإرسال أكثر من أربعين طائرة من طراز C‑17، لكنه اعترف بأن الظروف الحالية أصعب بسبب العوائق السياسية.
في خضم السعي الأميركي لفصل مسار لبنان عن إيران، أشار هيل إلى أن الإدارة السابقة للترامب اتبعت النهج الصحيح في محاولة الفصل بين الملفين، مؤكدًا أن نجاح أو فشل السياسات تجاه طهران سيؤثر حتماً على لبنان. وأوضح أن ميزان القوى يتجه حالياً ضد إيران، ما يدفع القوى المعادية لها في لبنان إلى الشعور بالجرأة والقدرة على تحمل المخاطر من أجل السلام، محذراً من أن أي تقصير في التعامل مع طهران قد يعكس التوازن إلى الاتجاه المعاكس في لبنان.



