سفراء الظلام بين الأنقاض وصوت الحب في المدينة المهدَّمة

أتجول مع فريق الإغاثة مرتدياً سترةً فوسفوريةً بألوانٍ ساخرة، أُحاط بملامح رمادية صامتة لا تكاد تنبض بالحياة. لا تُعدّ ما بين هدنةٍ هشةً سلاماً، بل هي آلةٌ تُطحن الأنفاس وتُخفي العيون خلف شقوق المباني، تراقب خطواتنا في صمتٍ خانقٍ كئيب.
عودة إلى مسقط الرأس
أمشي على أرصفة مكسورة كغريبٍ عابر، كابنٍ عائد، وروحٍ ضلّت مسارها طويلاً. ولدتُ في هذه المدينة، ثم جُرِدتُ من موطني قسراً في طفولةٍ مبكرة، وعُدتُ الآن بشيبٍ يكسو لحيتى، وعنفقةٍ تغمرني، في صفٍّ من الإغاثة قد يكون إنقاذاً لروحي المتفرقة.
من القاعة الجامعية إلى شوارع الدمار
في الجامعة، كنت أشرح للطلاب كيف يبعثر الكون ثم يُعيد توازنه في ثناياه. الآن، ما أراه يفوق تصوراتي؛ لا طمأنينة، بل اضطراب مستمر يلوح في نسيج الوجود، كإشارة خافتة تدعوني إلى التأمل.
صمت الأنقاض وأصوات الألم
أحاول أن أرسم في دفتر ملاحظاتي صورةً للواقع، لكن المفردات سُكّنت، وانهيارت الأبجدية تحت الأنقاض أعادت البشرية إلى صراخها البدائي، إلى أنينٍ غريزيٍ وتحديقٍ أعمى في الفراغ، إلى صمتٍ يبتلع الصدى. وجوه شاحبة تتكدس حول صناديق الإعاشة بحركات آلية خالية من الكرامة، ولا توجد كلمات تصف الظلم العميق الذي يختزل الإنسان فيه.
لمسة إنسانية في خضم الفوضى
قابلت امرأةً متطوعةً في الفريق، كانت تمرر أغطية صوفية للناجين، وكانت عينيها تتلألأ بوميضٍ دافئ يخترق صقيع اللحظة. في نظرةٍ خاطفة وسط زحمة الوجوه، تلاشى الضجيج، وشعرت بخطوةٍ صغيرة بين بحرٍ من العيون المطفأة والأرواح المهشمة، كأن الحب انبثق كحقيقةٍ وحيدة.
في الظلام وظلال ما تبقى من المدينة، انطلقت إلى متاهات من الركام لا إشارات فيها ولا أسماء على الدروب. توجهت إلى أطلال منزلٍ بلا عنوان، وكانت رسالة مشفّرة من المهجر تحثني على «كي لا تُغتال الحقيقة». حفرّتُ نفقاً صغيراً بيدين عاريتين في قبو نصف منهار، فاندفعت دمائي من جروحٍ مسحتها بجبيني وخدي، ثم وجدتُ صندوقاً معدنياً صدئاً يحتوي قوائم بأسماء ومحاضر، وأدخلتُ مسدساً صغيراً وإصبع ذاكرة إلكترونية إلى جيبي، واحتفظتُ بالصندوق كأنّما أحتضنُ حقيقةً مفقودة تسعى للانتقام.
فجأةً، انطلقت قذيفة من حائطٍ مجاور، مخترقةً صمت الهدنة الكاذبة، فأصبتُ كتفي الأيسر. لم يتبقَّ لي سوى غريزة البقاء؛ ركضتُ بلا توقف بين شوارع ميتة، متنقلاً بين الأنقاض كذئبٍ جريح، بينما كان رصاص القناص يطاردني من الخلف باحثاً عن رمزي لإزالته من سجلات الوجود.
لحظةٌ من الصفاء وسط الانفجارات
في زقاقٍ ضيق، انزلقتُ إلى صدعٍ في جدار بيتٍ عتيقٍ يحاول الصمود أمام الانهيار، فانتشرت رائحة بخور عودٍ قديم، وعتمةٌ ونارٌ خافتة. كان هناك شيخٌ يقرأ: «لا تخف، نجوت من القوم الظالمين»، فانتشرت فيّ سكينةٌ وتفاؤلٌ في واقعٍ متشابك، حتى خُدعْتُ بأفكارٍ زائفة عن زواجٍ وعشرة سنواتٍ هادئة.
ثم انكسرت الهدنة مرة أخرى؛ المدفعية أعادت قصف المدينة، وتلاشت الأصوات في ضجيج نارٍ هائجة تسعى لابتلاع كل شيء. اهتزّ البيت العتيق بهزةٍ عنيفة، وتلاشى الصوت في انفجارٍ أصم. وجدتُ نفسي عالقاً بين الحلم واليقظة في حالةٍ من عدم اليقين، يتسابق الزمن في دوائرٍ متداخلة، حتى شعرتُ برعشةٍ مخيفة كأنّ روحي ارتفعت فجأةً، محاصراً بين عمودين متهالكين كزيتونةٍ عتيقة أنقذتني من السقوط.
في خضم هذا الصراع، أدركتُ أن المجهول داخل نفسي هو ما أبحث عنه، ورغبةً واحدةً في أن أكون مع من أحبّ، أُحِس بالعناقِ والضوءِ في حلمٍ يخفف الألم، وتغمرني رغبةٌ في البكاء وتغني بألحانٍ منفردة. الليل يبتعد، وروحي تنسج ملامح هذياني، وتدعوني للقاءٍ عند زيتونةٍ عتيقة قرب نبع عميق.
فجأةً خفّ ضوءٌ خافتٌ من الظلام؛ لم يكن فرق إنقاذ، بل هي نفسها سحبتني بصمت من قلب الألم، استندتُ إليها، شعرتُ بالمسدس في يدي، وسرنا معاً في جحيم المدينة عبر دروب جانبية نحو البحر. دفعنا قارب صيدٍ صغير إلى الماء، وما زال الصندوق المعدني يرتعش في حضني، وهي تجلس قبلي. أمّا البحر فكان أزرقاً هادئاً يمتد إلى الأفق.
في لحظةٍ سكنت فيها، تخيلتُ أن البندول يتباطأ نحو المنتصف معلناً نهايةً للألم، ظننتُ أن اتساع البحر وعينيها سيغسلان ما تبقى. عندما وصلنا إلى منتصف المسافة بين الخراب والسماء الزرقاء، أزلت قناعتها، مدت يدها، انتزعت الصندوق المعدني من حضني المستسلم تماماً، ثم وضعت يداً مرتعشةً على سترتها الفوسفورية وأخرجت جهاز اتصال لاسلكي أسود. بنفس صوته، وبلغة طفولته وأجداده، قال: «أرسلوا الزورق إلى الموقع.. ها قد نفذت جزئي من المهمة، أريد تصريح الخروج الآن».



