واشنطن تفرض عقوبات جديدة على قيادات متمردة في شرق الكونغو لتكثيف الضغوط وإحراز تقدم في عملية السلام

أعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات أمريكية جديدة على ما تسميه “قادة التمرد” في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، في خطوة تتزامن مع تراجع مسار السلام الذي ترعاه واشنطن منذ أكثر من عام وتصاعد تفشي مرض إيبولا وتفاقم الاشتباكات المسلحة.
هدف العقوبات وتفسيرها
يصف خبير في الشؤون الأفريقية للشرق الأوسط أن هذه العقوبات تهدف إلى “تطويق التهديدات المستمرة من جانب حركة (23 مارس) وقوات تحرير رواندا”، مؤكدًا أن هذه الجماعات تشكل الأساس المتصاعد للنزاع في الكونغو. وأوضح أن العقوبات لا تُعدّ وحدها حافزًا للتفاهم، بل تُعدّ إحدى الأدوات التي يجب أن تُستَكمل بضغط مستمر للبحث عن إمكانية التوصل إلى سلام دائم.
السياق الأمني في شرق الكونغو
تعيش الكونغو الديمقراطية حالة تمرد مسلح عنيف منذ عدة سنوات. يواجه الجيش الكونغولي في شرق البلاد تحالفًا يضم حركة “23 مارس” و”تحالف القوى الديمقراطية”. تسعى حركة “23 مارس” إلى توسيع نفوذها والسيطرة على الحكم، وتسيطر على مناطق مجاورة لحدود رواندا، وتُتهم كيغالي بدعمها. أما “تحالف القوى الديمقراطية” فيُعَدّ جماعة مسلحة تنشط قرب الحدود الكونغولية‑الأوغندية، وترتبط بتنظيم “داعش”.
الأسماء المستهدفة بالإجراءات الأمريكية
أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في بيان صادر مساء الثلاثاء عن فرض عقوبات على غوستاف كوبوايو، القيادي الاستخباري في القوات الديمقراطية لتحرير رواندا (FDLR)، وعلى جون إيماني نزينزي، رئيس الاستخبارات في حركة “23 مارس” المدعومة من رواندا. وُجهت لهما اتهامات بارتكاب أعمال عنف، عمليات قتل، انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وهجمات على المدنيين في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا. وشددت الوزارة على أن الولايات المتحدة “ستواصل استخدام جميع الأدوات المتاحة لتعزيز الاستقرار الدائم في المنطقة”.
سياق سياسي وعقوبات سابقة
في 30 أبريل الماضي، صرّحت وزارة الخزانة الأمريكية أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على الرئيس السابق لجمهورية الكونغو الديمقراطية جوزيف كابيلا، بسبب دوره في دعم حركة “23 مارس”. ولم تسفر جولات السلام التي عُقدت في عام 2025 عن اتفاق شامل، إلا أن الرئيس الأمريكي آنذاك والرئيسان الروانديان (بول كاغامي) والكونغولي (فيليكس تشيسيكيدي) وقعوا في واشنطن، في نهاية العام السابق، اتفاقًا يهدف إلى تعزيز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بين الدول الثلاث.
سبق أن تم توقيع سلسلة تفاهمات في يونيو 2025، بالإضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة “23 مارس” في 15 نوفمبر في قطر، استكمالًا لاتفاقية سابقة في 19 يوليو. أما محادثات عام 2026، فكانت الأخيرة في أبريل الماضي بسويسرا ولم تسفر عن تقدم ملحوظ.
تحليل الأثر السياسي للعقوبات
يُظهر المحلل السياسي التشادي صالح إسحاق عيسى أن العقوبات الأمريكية تُعدّ أداة ضغط سياسية واقتصادية مهمة، إذ تستهدف القيادات المتهمة بتأجيج الصراع أو دعمه، وتُرسل رسالة مفادها أن المجتمع الدولي يراقب الانتهاكات ويحمّل المسؤولين عنها تبعات مباشرة. ويُشير إلى أن هذه الإجراءات قد تُقيد حركة بعض الفاعلين المسلحين، وتحد من مصادر تمويلهم، وتُرفع تكلفة الاستمرار في القتال.
ومع ذلك، يحذر عيسى من أن قدرة العقوبات على إنهاء النزاع تظل محدودة إذا لم تُرافقها مسار سياسي وأمني شامل. ويضيف أن الصراع في شرق الكونغو الديمقراطية مرتبط بتشابكات عرقية وأمنية وإقليمية معقدة، بالإضافة إلى التنافس على الموارد الطبيعية وضعف مؤسسات الدولة وانتشار الجماعات المسلحة. وبالتالي، قد تدفع العقوبات الأطراف نحو التفاوض أو تخفف وتيرة التصعيد، لكنها لا تكفي وحدها لإرساء سلام دائم.
الأوضاع الصحية وإجراءات محلية
تأتي هذه العقوبات في ظل استمرار النزاع المسلح وأزمة صحية حادة تواجهها الكونغو، حيث أعلن حكومتها إعادَة فتح المطار الرئيسي في إقليم إيتوري الشرقي، الذي يُعدّ بؤرة تفشي فيروس إيبولا، بعد إغلاق دام عشرة أيام لأسباب تتعلق بالسلامة العامة.
تقييم فرص السلام الحالية
لم تسجل فرص السلام أي تقدم ملحوظ خلال الأسابيع الأخيرة، رغم إعلان الجيش الكونغولي ومسؤول من المتمردين عن انسحاب تحالف “23 مارس” من عدة مواقع رئيسية في مقاطعة كيفو الجنوبية، شرق الكونغو، نحو مواقع محاذية للحدود مع رواندا، وفق ما نقلته رويترز في 13 مايو.
وعن رد فعل المتمردين على العقوبات، أوضح الخبير في الشؤون الأفريقية صعوبة التنبؤ بمسار واحد. يشير إلى أن تجارب العقوبات السابقة على الجماعات المسلحة في شرق الكونغو تُظهر ثلاثة سيناريوهات محتملة: تصعيد الصراع، أو إظهار عدم التأثر بالعقوبات، أو إبداء مرونة سياسية أكبر إذا شعروا بأن العقوبات تشكل جزءًا من ضغط دولي وإقليمي متكامل، أو مزيج من هذين الاتجاهين مع استمرار التوترات والاشتباكات المحدودة على الأرض مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة.
ويخلص إلى أن العقوبات لن تُحدث تهدئة فورية، وأنه من غير المستبعد حدوث موجة تصعيد محدودة خلال الأشهر المقبلة، مؤكدًا أن استمرار الضغوط الدولية قد يدفع الأطراف تدريجيًا إلى تفضيل التفاوض على المواجهة.



