الرئيسيةعربي و عالميانقطاعات المياه في تونس مستمرة رغم...
عربي و عالمي

انقطاعات المياه في تونس مستمرة رغم امتلاء السدود بنسبة 60%

تشهد تونس مفارقة لافتة، حيث يرتفع منسوب المياه في السدود إلى 60% من طاقتها التخزينية، لكن مناطق عديدة لا تزال تعاني من انقطاعات متكررة في مياه الشرب واختلالات في التوزيع. ويعزو مختصان هذه الظاهرة إلى انقطاع التيار الكهربائي، وتدهور الشبكات، وغياب التخطيط السليم والاستثمار الكافي في المنشآت المائية.

ويُظهر رصد المرصد التونسي للمياه (جهة مستقلة) ورود مئات الشكاوى حول انقطاعات غير معلنة وتدني جودة المياه.

في المقابل، يؤكد المدير العام للسدود والأشغال المائية الكبرى بوزارة الفلاحة، فائز مسلم، أن المخزون الحالي كافٍ لتلبية احتياجات البلاد خلال فصل الصيف.

جاء ذلك في وقت شهدت فيه تونس موجة حر شديدة أواخر يوليو الماضي، إذ اقتربت الحرارة من 50 درجة مئوية. ووصف الرئيس قيس سعيّد انقطاعات المياه والكهرباء والحرائق التي تشهدها البلاد بأنها “ظواهر غير عادية”، مشدداً على أن الدولة “لن تقف مكتوفة الأيدي” تجاه من يسعون إلى الإضرار بالمواطنين وتأجيج الوضع.

مخزون مطمئن لكن الانقطاعات مستمرة

وكان مسلم قد صرح لوكالة الأنباء التونسية في أواخر يونيو الماضي بأن نسبة امتلاء السدود بلغت 60% من طاقتها الإجمالية البالغة نحو 2.3 مليار متر مكعب. ووصف هذا المستوى بأنه “مطمئن جداً” مقارنة بالسنوات الأخيرة التي شهدت تراجعاً حاداً في الموارد المائية. وأشار إلى أن هذا المخزون سيخفف الضغوط التي عاشتها البلاد في الفترات الماضية، والتي استدعت إجراءات استثنائية مثل القطع الدوري للمياه في بعض المناطق.

لكن تحسن المخزون لم ينهِ مشاكل التوزيع. فقد أعلن المرصد التونسي للمياه تلقي 423 بلاغاً حول خدمات الإمداد بالمياه خلال يونيو، منها 374 بلاغاً عن انقطاعات واضطرابات غير معلنة، و6 بلاغات عن تلوث أو سوء جودة. كما سُجلت 20 حالة تسرب في الشبكة، ونظم المواطنون 23 تحركاً احتجاجياً بسبب مشكلات التزويد.

الكهرباء والبنية التحتية وراء الأزمة

ويرى المسؤول السابق في وزارة الفلاحة، محمد صالح قلايد، أن انقطاعات المياه “طبيعية” لتزامنها مع انقطاعات الكهرباء. وقال للأناضول إن المياه تُستخرج من الآبار الجوفية وتُنقل عبر الطاقة، فكلما انقطعت الكهرباء انقطعت المياه مع ارتفاع الاستهلاك والحرارة. وأشار إلى أن ولاية سوسة سجلت أعلى معدل انقطاعات لعدم اعتمادها على موارد ذاتية، حيث تُنقل إليها المياه من الشمال.

وأضاف قلايد أن الجهات المختصة تلجأ صيفاً إلى قطع المياه من الثامنة مساءً حتى الصباح لملء الخزانات وزيادة الضغط لضمان وصولها إلى الطوابق العليا. كما يتضاعف عدد السكان في المناطق الساحلية بسبب الاصطياف، مما يرفع الطلب. وأسف لغياب استشراف المستقبل رغم معرفة حجم العجز وعدد السكان، وعدم الاستعداد بمشاريع أو سياسات توزيع جديدة.

أزمة الأرياف: جمعيات مائية وفساد

وفي الأرياف، أشار قلايد إلى استمرار انقطاعات المياه رغم وجود جمعيات مائية تتولى التوزيع، وعزا ذلك إلى الفساد وسوء الإدارة. وأوضح أن نحو 1.5 مليون تونسي في الأرياف يحصلون على المياه عبر حوالي 2500 جمعية لمياه الشرب، بالإضافة إلى 2500 جمعية للري. وقال إنه بدون حوكمة رشيدة “تغرق السفينة بالجميع”. ولفت إلى مقترح لإنشاء “شركة توزيع المياه في الأرياف” لتولي الإدارة بدلاً من الجمعيات، وضمان انتظام التوزيع وتحصيل المستحقات. وأضاف أن مجلة المياه الجديدة التي ينظر فيها البرلمان تتضمن هذا المقترح.

وشدد قلايد على ضرورة تطوير البنية التحتية، قائلاً إن المياه متوفرة لكن المشكلات لوجستية تتعلق بمنشآت التوزيع والتحويل. ودعا إلى دعم الشبكات وإعادة بنائها، وإنشاء محطات ضخ وخزانات جديدة، مشيراً إلى غياب مشاريع جديدة منذ عشر سنوات. وأكد أهمية إعادة التأهيل وإنشاء سدود وقنوات جديدة. وأشار إلى دراسة لتحويل 50 مليون متر مكعب من مياه أقصى الشمال إلى سدي نبهانة وسيدي سعد في القيروان، لافتاً إلى أنه بحلول 2050 سيصبح سد نبهانة خزاناً يُعبأ بمياه الشمال لتوفير مياه الشرب في القيروان وسيدي بوزيد والري في القيروان. واختتم قلايد بالقول إن الأفكار والسياسة موجودة، لكن المشكلة في الاعتمادات المالية.

دعوات لإصلاح شامل واستثمار جديد

من جهته، أرجع الخبير حسين الرحيلي، في حديث للأناضول، انقطاعات المياه إلى تهالك البنى التحتية وتخلي الدولة عن تجديدها. وأضاف أن أزمة المياه تمتد إلى مياه الري، مما يؤثر على المحاصيل وأسعارها. واعتبر أن السياسة العمومية للماء فشلت منذ أواخر الستينات. وأشار إلى أن حديث الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه عن تحقيق التوازن المالي يعكس ضعف الاستثمار ونقص اليد العاملة. وأكد أن قنوات المياه “مهترئة” وغير قادرة على تمرير كميات كبيرة في الذروة، علماً أن الشبكة تمتد لأكثر من 57 ألف كيلومتر، وعمر 20% منها يتجاوز 50 عاماً. ووصف الأزمة بأنها “هيكلية متعددة الأبعاد”، ويتم التعامل معها بحلول ترقيعية.

وتطرق الرحيلي إلى مناطق في الرديف تبقى شهراً كاملاً دون مياه، وانقطاع مياه الشرب في شتاء بعض أرياف الشمال الغربي حيث توجد السدود لمدة قد تصل إلى شهرين. وأكد أن هذه الانقطاعات لا ترتبط بالطلب أو الفصول بل بالبنية التحتية وإدارة المياه في الأرياف. ويتفق مع قلايد على وجود مشكلات في إدارة توزيع المياه بالأرياف، حيث يعيش 35% من سكان تونس. ووصف الجمعيات المائية بأنها “مجموعات فساد” خلقها نظام بن علي منذ 2003، باعتبار أن من يملك الماء يملك السلطة. ودعا إلى إنشاء شركة حكومية ريفية لتوزيع المياه تتعامل مع سكان الأرياف كمواطنين من الدرجة الأولى وتوفر لهم مياهاً جيدة بانتظام.