الرئيسيةعربي و عالميانقطاع الكهرباء في السودان يعمق الأزمات...
عربي و عالمي

انقطاع الكهرباء في السودان يعمق الأزمات ويشعل احتجاجات

أزمة الكهرباء والخدمات

بعد ليلة من الظلام التام، اضطر عبدالله السيد، ساكن حي الدروشاب شمال الخرطوم بحري، إلى الانتظار أكثر من ثلاث ساعات في مستشفى لإجراء فحص إشعاعي لابنته التي تبلغ سبع سنوات، لكنه عاد بها إلى المنزل دون نتيجة بعدما استمر انقطاع التيار الكهربائي لأكثر من quinze ساعة يومياً، مما حول حياة سكان العاصمة ومدن أخرى إلى معاناة مستمرة وسط عجز السلطات عن إيجاد حل.

مع ارتفاع درجات الحرارة إلى أكثر من 42 درجة مئوية في بعض المناطق، أثار الانقطاع المتكرر للكهرباء موجة غضب واسعة في عدة مناطق البلاد، بينما تزايدت المخاوف من فشل الموسم الزراعي للعام الثالث على التوالي، وازدادت الوفيات بسبب تعطل الخدمات الصحية، وتفاقمت أزمة مياه الشرب مع توقف معظم المضخات عن العمل نتيجة نقص التيار.

التأثيرات الصحية والاجتماعية

ويزيد الانقطاع المستمر للتيار من معاناة المواطنين اليومية، في ظل تدهور شامل للخدمات يشهده معظم السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. ومع ارتفاع الحرارة، يضطر الناس إلى النوم خارج الغرف حيث ينتشر البعوض، مما أدى إلى زيادة ملحوظة في الإصابات بالملاريا.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، ارتفعت معدلات الإصابة بالملاريا في السودان إلى أكثر من 44 في المئة من إجمالي الإصابات في إقليم شرق المتوسط. وتؤثر أزمة الكهرباء بشكل كبير على مؤسسات القطاع الصحي، إذ لا يزال نحو 60 في المئة منها إما خارج الخدمة أو تعمل بصورة جزئية.

ويقول Abdullah السيد لموقع “سكاي نيوز عربية”: “كنت أنتظر مع ابنتي المريضة منذ السادسة صباحاً في أحد المستوصفات على أمل أن يعود التيار الكهربائي وأتمكن من إجراء التحاليل اللازمة لها، لكن بعد انتظار طويل فقدت الأمل وعدت إلى المنزل في انتظار العناية الإلهية\). ويضيف: “حول انقطاع التيار حياتنا إلى معاناة يومية، فحتى الحصول على العلاج يحتاج إلى معجزة\).

وسبق وحذر شيلدون يت، ممثل اليونيسف في السودان، من الوضع الكارثي الناتج عن انهيار الخدمات الصحية، مشيراً إلى أن ثلاثة ملايين طفل دون سن الخامسة معرضون لخطر الإصابة بالأمراض الوبائية التي تتزايد حدتها بسبب استخدام المياه الملوثة.

ويقول محمد سعيد، سكان أحياء الثورة بأم درمان، إن الوضع بات خطيراً للغاية، حيث أدت أزمة التيار الكهربائي إلى مزيد من التدهور في إمدادات مياه الشرب. ويضيف لموقع “سكاي نيوز عربية”: “نضطر أحياناً لقضاء ليلة كاملة للحصول على قدر قليل من المياه لا يكفي حتى للشرب والطبخ، ويلجأ الكثيرون إلى شراء المياه المستجلبة من النهر رغم مخاطرها الصحية\).

وفي ظل تعطل إمدادات الشبكات الرئيسية، يلجأ السكان إلى جلب المياه من آبار قديمة تفتقر إلى المعايير الصحية، مما يزيد من معدلات الإصابة بالأمراض.

وتشير أمينة، طبيبة في أحد المراكز الصحية بأم درمان، إلى تفاقم المخاطر الصحية الناجمة عن لجوء السكان إلى استخدام مياه ملوثة، وتقول لموقع “سكاي نيوز عربية”: “نستقبل يومياً عشرات الحالات المصابة بأمراض ناجمة عن تلوث المياه، لكننا نواجه صعوبات كبيرة في التعامل معها في ظل النقص الحاد في المحاليل الوريدية والعلاجات اللازمة\).

موجة احتجاج وتداعيات اقتصادية

وتواصلت يومي الجمعة والسبت احتجاجات شعبية في عدة مناطق سودانية، خصوصاً في ولايتي الخرطوم والبحر الأحمر، حيث أغلق سكان بعض الطرق الرئيسية احتجاجاً على غياب المعالجات العاجلة، وسط اتهامات للسلطات بالصمت تجاه تفاقم أزمتي انقطاع مياه الشرب والكهرباء.

ونشر شبان في منطقة جبيت بولاية البحر الأحمر صوراً على وسائل التواصل الاجتماعي لمحتجين يغلقون الطريق القومي الرابط بين مدينتي بورتسودان والخرطوم، بعد أن تسبب الانقطاع المتواصل للكهرباء في شلل تام للخدمات الأساسية.

وتعزو السلطات الفجوة الحادة في الإمداد إلى التدمير المباشر الذي طال محطات التوليد وشبكات النقل القومية جراء الحرب، إلى جانب توقف خطوط الإمداد الإقليمية ونقص وقود المحطات الحرارية، مما وضع القطاعين المالي والخدمي في البلاد على شفا الانهيار الكامل.

وخلال الأسبوع الماضي، ارتفعت مدة انقطاع التيار الكهربائي إلى أكثر من ثماني عشرة ساعة يومياً، مع خروج خطوط رئيسية عن الخدمة.

قبل الدمار الذي نجم عن الحرب، بلغ إنتاج المحطات الحرارية نحو 560 ميغاواط، بينما تبلغ طاقتها التصميمية أكثر من 1200 ميغاواط. وكانت منشآت التوليد المائي الست العاملة في البلاد توفر ما بين 70 و75 في المئة من إجمالي إنتاج الكهرباء في السودان، الذي يتراوح بين 1800 و1900 ميغاواط، أي أقل بنحو 33 في المئة من إجمالي حجم الاستهلاك، الذي يتراوح بين 2900 و3000 ميغاواط.

ويُلقي الانقطاع الطويل للتيار الكهربائي في السودان بتأثيرات بالغة الخطورة على القطاعات السكنية والصناعية والزراعية.

فقد آلاف المزارعين محاصيلهم بسبب انقطاع التيار الكهربائي، بعد أن عجزوا عن ري الأراضي، مما قلص حجم الإنتاج وضاعف التكاليف، في وقت يعاني فيه أكثر من 20 مليون سوداني من خطر انعدام الأمن الغذائي.

وفي المقابل، ترتفع كلفة تشغيل المصانع بشكل كبير، مما يؤدي إلى زيادة أسعار السلع الأساسية. ومع اضطرار المصانع إلى تشغيل مولدات خاصة، ترتفع فاتورة الطاقة، وبالتالي ترتفع معها أسعار المنتجات الرئيسية، التي تضاعفت منذ اندلاع الحرب بأكثر من 400 في المئة.

ولا تستثني التأثيرات الكارثية أي قطاع من قطاعات الحياة، بما في ذلك قطاع التعليم، حيث تتراجع مستويات التحصيل الدراسي بشكل ملحوظ، إذ يضطر الطلاب إلى الجلوس في غرف معتمة وسيئة التهوية لتلقي دروسهم.