الرئيسيةاقتصادمن الرياض إلى باريس: كيف تُنشئ...
اقتصاد

من الرياض إلى باريس: كيف تُنشئ السعودية صناعة ألعاب عابرة للحدود

نقل البطولة إلى باريس

بعد نسختين أقيمت في الرياض خلال عامي 2024 و2025، انتقل كأس العالم للرياضات الإلكترونية 2026 إلى باريس لتكون أول محطة دولية للبطولة. تزامن اختتام النسخة مع زيارة الدولة لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، إلى فرنسا؛ حيث حضر سموه الحفل الختامي في 23 أغسطس 2026. استمرت المنافسات سبعة أسابيع وشارك فيها أكثر من ألفي لاعب يمثلون 200 نادٍ من أكثر من 100 دولة، وتنافسوا في 25 بطولة ضمن 24 لعبة، بينما تجاوز مجموع الجوائز المالية 75 مليون دولار وسجلت النسخة أكثر من مليوني زيارة.

الاستراتيجية الوطنية لصناعة الألعاب

عند إطلاق الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية عام 2022، كان الهدف جعل السعودية مركزًا عالميًا للقطاع بحلول 2030. وضعت الاستراتيجية مستهدفات اقتصادية واضحة: تحقيق مساهمة تتجاوز 50 مليار ريال بحلول 2030، واستحداث أكثر من 39 ألف فرصة عمل، وإنتاج أكثر من 30 لعبة محلية تصل إلى قائمة أفضل 300 لعبة عالميًا، والوصول إلى مصاف الدول الثلاث الأولى عالميًا في عدد اللاعبين المحترفين في الرياضات الإلكترونية. تتضمن هذه الأرقام وظائف لمطوري الألعاب، المبرمجين، مصممي الشخصيات والرسوم، مهندسي الصوت، كتاب السيناريو، متخصصي الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، إدارة البطولات، التسويق الرقمي، الأمن السيبراني والملكية الفكرية. ويهدف إنشاء 250 شركة ألعاب بحلول 2030 إلى توسيع قاعدة المنتجين والشركات والأصول الرقمية، وليس فقط قاعدة اللاعبين.

دور مجموعة «ساڤي» والاستثمارات

تقف مجموعة «ساڤي» للألعاب الإلكترونية، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، في قلب هذا التحول كذراع استثماري لبناء حضور سعودي مؤثر في الصناعة العالمية. تتجاوز استراتيجية «ساڤي» الاستثمار المالي المجرد إلى بناء محفظة تمنح السعودية المعرفة والخبرة والحضور في حلقات رئيسة من سلسلة القيمة العالمية. أعلنت المجموعة استثمارات تصل إلى 142 مليار ريال موزعة على أربعة برامج: 50 مليار ريال للاستحواذ على شركة رائدة في نشر الألعاب وتطويرها، 70 مليار ريال للاستحواذ على حصص أقلية في شركات رئيسة، ملياري ريال للاستثمار في شركات ناشئة ومبتكرة، و20 مليار ريال للاستثمار في شركات راسخة في القطاع. وتؤكد المصادر أن هذه الاستثمارات لا تمثل بند إنفاق مباشرًا من ميزانية الدولة، بل هي استثمارات تقودها مجموعة «ساڤي» ضمن استراتيجية اقتصادية طويلة الأجل. وفي سياق الميزانية العامة للدولة لعام 2026، تبلغ النفقات المعتمدة نحو 1.313 تريليون ريال مقابل إيرادات مقدرة بنحو 1.147 تريليون ريال، وعجز متوقع يبلغ 165 مليار ريال؛ وبالتالي فإن الاستثمار في قطاع الألعاب يأتي ضمن أدوات أوسع لتنويع الاقتصاد. من أبرز استحواذات «ساڤي» الاستحواذ على Scopely مقابل 4.9 مليار دولار، وامتلاك ESL FACEIT Group، ما يمنح المجموعة مواقع مؤثرة في تطوير الألعاب ونشرها وتنظيم الرياضات الإلكترونية عالميًا؛ إذ يمكن للملكية الفكرية الرقمية أن تولد إيرادات لسنوات عبر الألعاب، الاشتراكات، الترخيص، الإعلانات، البطولات، المحتوى والخدمات المرتبطة بها.

الآثار الاقتصادية والثقافية والمستقبل

بعد انطلاق البطولة من الرياض، جاءت باريس في 2026 لتشكل أول محطة دولية لها، مما يدل على أن الطموح لم يعد مقتصرًا على جذب العالم إلى السعودية، بل امتد إلى أخذ المنتجات والمنصات السعودية إلى الأسواق والمدن العالمية. تنتج المنصة العالمية أكثر من مجرد تذكرة؛ فهي تولد منظومة من حقوق البث، الرعاية، الإعلانات، السياحة، الضيافة، التجزئة، المحتوى الرقمي، البيانات والخدمات التقنية. عندما تستقطب منصة انطلقت من الرياض في باريس أكثر من ألفي لاعب و200 نادٍ من أكثر من 100 دولة وتُسجل أكثر من مليوني visita، فإننا أمام نموذج يتجاوز مفهوم الفعالية الرياضية إلى اقتصاد الانتباه العالمي؛ حيث يوجد الانتباه توجد القيمة الاقتصادية. ولا تقتصر القيمة عند حدود الاقتصاد؛ فالألعاب أصبحت إحدى أكثر أدوات الثقافة الحديثة قدرة على الوصول إلى الأجيال الجديدة، ويمكن للعبة ناجحة أن تحمل التاريخ والمدينة واللغة والموسيقى والعمارة والهوية المحلية إلى ملايين اللاعبين حول العالم. من هنا تكتسب صناعة الألعاب السعودية بعدًا ثقافيًا إضافيًا؛ إذ يمكن تحويل قصص العلا والدرعية وجدة التاريخية والصحراء والبحر والتراث العربي إلى عوالم رقمية تفاعلية لا يشاهدها الجمهور فحسب، بل يعيش تفاصيلها ويتفاعل معها. وبالتالي يجتمع في المنتج الواحد التقنية والاقتصاد والثقافة والقوة الناعمة. عند تحليل اقتصاد الألعاب، يجب التمييز بين سوق ألعاب الفيديو المباشر والاقتصاد الرقمي والترفيهي الأوسع المتصل به؛ فالأرقام العالمية تختلف تبعًا لما يدخل في تعريف السوق؛ بعض التقديرات تشمل الألعاب فقط، بينما تضيف أخرى الأجهزة، الإعلانات، البث، الرياضات الإلكترونية والخدمات الرقمية المرتبطة بها. لذلك فإن القيمة الاقتصادية الحقيقية للقطاع لا تُقاس بحجم سوق الألعاب المباشر وحده، بل بشبكة الصناعات التي تتحرك حوله؛ من الاتصالات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي إلى الإعلام والإعلانات والسياحة والترفيه والتجزئة. معيار النجاح بحلول 2030 لن يُقاس بعدد البطولات المستضافة أو حجم الجوائز أو أعداد المشاهدين، بل بعدد الاستوديوهات السعودية القادرة على المنافسة عالميًا، وحجم الملكية الفكرية السعودية، وعدد الشركات الناشئة التي تتحول إلى شركات عالمية، ونسبة الوظائف النوعية التي يشغلها السعوديون، وحجم المنتجات والخدمات الرقمية المصدرة إلى الخارج. والسؤال الاقتصادي الأهم ليس كم تستثمر السعودية في الألعاب، بل كم قيمة اقتصادية ومعرفية وملكية فكرية ستولدها هذه الاستثمارات داخل السعودية؛ عندما تتحول الأموال إلى معرفة، والمعرفة إلى شركات، والشركات إلى أصول وحقوق ملكية فكرية، وهذه الأصول إلى تدفقات إيرادية وصادرات رقمية وفرص عمل. بذلك تكتمل المعادلة الاقتصادية: يتحول شغف الشباب إلى موهبة، والموهبة إلى معرفة، والمعرفة إلى شركة، والشركة إلى منتج وملكية فكرية، والمنتج إلى سوق عالمية؛ فتعود القيمة إلى الاقتصاد السعودي في صورة وظائف واستثمارات وصادرات رقمية ومصادر دخل جديدة. لم تعد السعودية تدخل المنافسة في الألعاب والرياضات الإلكترونية فحسب؛ بل بدأت تنافس على موقعها في اقتصاد عالمي جديد، تصنعه التقنية، ويقوده الإبداع، وتُقاس قوته بما يملكه من معرفة وموهبة وملكية فكرية.